لقاءاتٌ تتلوها لقاءات.. هذه حال السينما الجزائرية في السنوات الأخيرة؛ فاللقاءات التي تعقدها وزارة الثقافة مع مهنيّي القطاع لا تكاد تتوقّف، بل إنّها تحوّلت إلى حلقة مفرغة: يلتقي السينمائيون بالقائمين على الشأن الثقافي ليعرضوا مشكلات القطاع التي يعرفها الجميع ويقترحوا الحلول التي يعرفها الجميع أيضاً، ثمّ يفترقون تاركين الوضع على حاله في انتظار لقاء آخر يطرحون فيه مشكلاتهم ويقترحون حلولهم، وهكذا دواليك...
تستمرّ اللقاءات السينمائية وكذلك مشكلات السينما، بل لعلّها تتراكم وتتفاقم. ومن المثير للانتباه أنّ تزايُد الحديث، مثلاً، عن "تطوير السينما ودفْع عجلة الإنتاج" يُرافقه تراجُع مُلفت، وربما غير مسبوق، في الإنتاج السينمائي؛ حتى أنّ القائمين على تظاهرة دولية مثل "مهرجان وهران للفيلم العربي" بالكاد عثروا على فيلم جزائري جديد واحد لعرضه ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في الدورة الثالثة عشرة (30 أكتوبر - 5 نوفمبر 2025).
وهذا الوضع نبّه إليه عددٌ غير قليل من السينمائيين الجزائريين، الذين تحدّثوا، في رسالة وجّهوها إلى الرئيس عبد المجيد تبون في ديسمبر الماضي، عن أنّ السينما الجزائرية عاشت "سنة بيضاء" في 2025؛ قائلين إنّ الدولة "لم تُموّل أيّ عمل سينمائي يُذكر، ولو كان فيلماً قصيراً" خلال عام كامل.
تزايُد الحديث عن تطوير السينما الجزائرية يُرافقه تراجُع غير مسبوق في الإنتاج السينمائي
في رسالتهم تلك، أشار أكثرُ من 300 مشتغل في حقل السينما إلى جملة من الاختلالات التي يعيشها القطاع، ووجّهوا مطالب محدَّدة قالوا إنّ من شأنها "تهيئة الظروف اللازمة لإعادة بعث النشاط السينمائي". وكان لافتاً أنّ الرسالة جاءت بعد نحو عام من انعقاد "الجلسات الوطنية للسينما" التي أُقيمت في جانفي 2025 بالجزائر العاصمة، ضمن ما سمّته وزارة الثقافة "رؤيةً جديدة شاملة تستجيب لتحدّيات القطاع السينمائي المُعاصر".
حظيت الجلسات باهتمام رسمي كبير؛ حيث أُقيمت برعاية الرئيس تبون، الذي دعا المشاركين، خلال إشرافه على افتتاحها، إلى العمل على إيجاد حلول للمشاكل المطروحة في القطاع، والخروج بـ"توصيات تُسهِم في بعث السينما الجزائرية من جديد". وبالفعل، خرج المنتجون والمُخرجون وكتّاب السيناريو والأكاديميون وغيرهم من المشاركين في الجلسات، بعدد غير قليل من التوصيات التي مسّت جوانب مختلفة من قطاع السينما.
لكن وبعد عام من ذلك، نقرأ في رسالة السينمائيين هذه الجملة: "لم نُسجّل حتى يومنا هذا أيَّ تجسيد ملموس - ولو جزئي - للتوصيات والمقترحات التي تقدّم بها مهنيو القطاع"، متبوعةً بهذا التساؤل: "من يتحمّل مسؤولية تعطيل تنفيذ هذه التوصيات والمقترحات؟".
تحوّلت اللقاءات إلى مهمّة روتينية لدى وزارة الثقافة التي يُنتظر منها القيام بخطوات عملية
بدل أن تُجيب وزارة الثقافة، بصفتها المسؤول الأوّل عن الشأن الثقافي في البلاد، عن سؤال السينمائيين، اختارت فتح سلسلة جديدة من اللقاءات. وهذه المرّة تحت اسم "الجلسات التشاركية". أمّا الهدف، مثلما نقرأ في بيان أصدرته الوزارة بعد اللقاء الأوّل الذي جمع وزيرة الثقافة مليكة بن دودة بمجموعة من الفنّانين والمنتجين ومهنيي السينما في 18 ديسمبر الماضي، فيتمثّل في "تشخيص وتطوير الصناعة السينمائية في الجزائر وتعزيز الإشعاع الثقافي"، والتفكير في "تطوير منظومة التكوين والإنتاج وتفعيل شبكات التوزيع وقاعات السينما وابتكار وسائل جديدة لترقيتها".
واللقاءات الجديدة ليست سوى تكرار أصبح مملّاً لسلسلة طويلة من اللقاءات. لنتذكّر هنا، على سبيل المثال، الجلسات التي أطلقها كاتب الدولة لدى وزيرة الثقافة المكلّف بالصناعة السينماتوغرافية والإنتاج الثقافي بشير يوسف سحيري، في فيفري 2020، للاستماع إلى اقتراحات مهنيّي السينما بهدف "إيجاد الحلول المناسبة للنهوض بهذا القطاع وتفعيل دوره في ترقية الثقافة الوطنية والتنمية الاقتصادية".
استمرّ انعقاد الجلسات بشكل دوري لأسابيع، طرح خلالها المشاركون فيها انشغالاتهم ومقترحاتهم وتصوّراتهم حول الإنتاج والتمويل والتوزيع والتدريب والاستثمار، ثمّ وُضع كلُّ ذلك في الأدراج مع مغادرة سحيري الحكومة في فيفري 2021 وإلغاء المنصب نفسه الذي استُحدث في جانفي 2020، في خطوة قيل إنّها تعكس "اهتمام الدولة بالصناعة السينمائية والإنتاج الثقافي".
هل ما زالت الوزارة بحاجة إلى لقاءات مع السينمائيين لتكتشف مشكلات القطاع؟
ستصل اللقاءات الجديدة إلى حلقتها الثالثة أمس الثلاثاء، والتي ناقشت، وفق بيان للوزارة، "مختلف التحدّيات التي تُواجه الصناعة السينماتوغرافية الوطنية وآفاق تطويرها"، وركّزت على ثلاثة محاور؛ هي الفيلم الوثائقي، وقاعات السينما، ونوادي السينما.
لا يفوّت البيان الإشارة إلى أنّ هذه الجلسات "تُجسِّد المقاربة الجديدة التي تعتمدها السيّدة الوزيرة لتطوير السينما الوطنية"؛ وهي نقطةٌ لا بدّ أن تُطرح بشأنها بعض الأسئلة: ما هي ملامح هذه "المقاربة الجديدة"؟ وفيمَ تختلف عن "المقاربات الجديدة" التي بشّر بها الوزراء المتعاقبون على قطاع الثقافة منذ سنوات؟ وهل هي مجرّد مقاربة نظرية يجري مناقشتها خلال "اللقاءات السينمائية" أم أنّها تتضمّن خطوات عملية ما؟
أمّا السؤال الأكثر أهمّية في سياقنا الحالي؛ فهو: هل تحتاج وزارة الثقافة فعلاً إلى عقد لقاءات مع مهنيّي السينما لمعرفة مشكلات القطاع وحلوله؟ إذا كانت الإجابة بنعم، فهذا يعني أنّ جميع المقترحات والتوصيات التي طُرحت في اللقاءات السابقة، بما في ذلك "الجلسات الوطنية للسينما" التي أُقيمت بإشراف من الرئيس نفسه، لم تؤخَذ بالجدّية المطلوبة؛ وهو استنتاجٌ يقودنا إلى سؤال أخير: لماذا عُقدت جميع تلك اللقاءات من الأساس؟
مشهد
سينمائيون للرئيس تبون: السينما الجزائرية ليست بخير
قال سينمائيون، في رسالة إلى الرئيس الجزائري، إنّ كل ما قدّموه من توصيات خلال "الجلسات الوطنية للسينما" قبل عام لم يجسّد إلى اليوم.