سرعان ما تحوّل الجدل، الذي رافق منع جلسة توقيع وتقديم كتاب "الهويات المتمردة: إعادة التفكير في التاريخ الخاص" (منشورات كوكو، 2026) للباحثة والأكاديمية الجزائرية فاطمة أوصديق في "مكتبة الفنون الجميلة" بالجزائر العاصمة يوم 18 أفريل الجاري، إلى سجال بين المؤلّفة وناشرها.. سجالٌ اتّسع ليشمل فريقين يُقدّمان وجهتَي نظر مختلفتَين؛ تختزل إحداهما الأمر في مجرّد "خطأ تقني"، بينما تُصرّ الأُخرى على أنّ المسألة أعقد من ذلك بكثير.
أخطاء تقنية؟
بدا أنّ دخول "المكتبة الوطنية الجزائرية" على خطّ الجدل الذي أثاره منع جلسة تقديم الكتاب نجح، نسبياً، في التأثير على سردية ناشر العمل، والتي تقوم على اعتبار أنّ ما حدث "خطوة جديدة في الاعتداء على الحريات الأكاديمية والبحث العلمي وحقوق المواطنين في الثقافة".
فبعد يومَين من تدخل الشرطة لحجز الكتاب ومنع الجلسة وإغلاق المكتبة التي كانت ستستضيفها، أصدرت المكتبة الوطنية بياناً ذكرت فيه أنّ العمل صدر خارج القوانين المُنظّمة لقطاع النشر؛ باعتبار أنّه غير مسجَّل وغير مودَع لدى "مصلحة الإيداع القانوني".
اعتبرت الدار بيان المكتبة الوطنية "محاولة لتبرير فضيحة هزّت الرأي العام"
أكثر من ذلك، وجّهت المؤسّسة التابعة لوزارة الثقافة اتهاماً صريحاً للناشر بالتزوير؛ من خلال "استخدام رقم إيداع قانوني لكتاب آخر مسجّل أصدره عام 2022".
هذه الاتهامات ردّت عليها "منشورات كوكو" عبر بيان حمل توقيع مديرها، أرزقي آيت العربي، ورأت فيها "محاولة لتبرير فضيحة هزّت الرأي العام، ولا سيما الأوساط الجامعية والفكرية"، مؤكّدةً أنّ الكتاب حصل على رقم دولي جرت المصادقة عليه من قبل مصالح الإيداع القانوني بتاريخ 24 جويلية 2025.
وأوضحت الدار أنّ ما حدث بتعلّق بـ"خطأ في الإخراج الطباعي" في الدفعة الأُولى المكوّنة من 100 نسخة؛ حيث أنّ "الرقم المعياري المطبوع داخل الكتاب صحيح، بينما أُدرج على الغلاف، عن طريق الخطأ، رقمٌ يخصّ كتاباً سابقاً لفاطمة أوصديق بعنوان 'امتلاك صديق نافذ'، صدر عن منشورات كوكو سنة 2022"، مضيفةً أنّها اكتشفت هذا الخطأ بعد الطباعة، فعمدت إلى إرسال نسخة رقمية من الكتاب وغلافه إلى وزارة الثقافة، مع الإشارة إلى الخطأ والتعهّد بتصحيحه في الطبعات اللاحقة، وذلك "لتفادي أيّ استغلال مغرض لهذا الخلل".
وبخصوص عدم إيداع النسخ القانونية من الكتاب لدى "مصلحة الإيداع القانوني" في الآجال القانونية، أوضحت "منشورات كوكو" أنّها استلمت النسخ الأولى من الكتاب من المطبعة مساء الخميس 16 أفريل، وأنّه كان مقرّراً استكمال إجراءات الإيداع القانوني ابتداءً من الأحد (19 أفريل)؛ أول يوم عمل في الأسبوع.
وكان لافتاً تزامُن بيان "المكتبة الوطنية الجزائرية" مع "بيان توضيحي" آخر حول الكتاب نفسه أصدره "الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة"، وذكر فيه أنّ كتاب "الهويات المتمردة" غير مسجّل لدى الديوان "بغرض الحماية"، وأنّ مؤلّفته ليست منتسبة إليه.
ولم يُفهم، على وجه التحديد، الهدف من هذا "التوضيح"؛ حيث أنّ تسجيل الكتاب في ديوان حقوق المؤلّف أو انتساب مؤلّفته إليه لم يكُن ليُغيّر في الأمر شيئاً، وهو ما أشار إليه البيان نفسه بالقول إنّ "إجراءات الإيداع والتسجيل تبقى اختيارية"، وإنّ مهام هذه المؤسّسة "تقتصر على تسجيل وحماية الحقوق المتعلّقة بالمصنّفات الفكرية من حيث الإيداع والإثبات". بمعنىً آخر، لم يوضّح البيان شيئاً، وبدا مجرّد بيان إضافي بلا فائدة تُذكَر.
الوزيرة في الصورة
تزامَن بيانا "المكتبة الوطنية الجزائرية" و"الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة" مع إعادة فتح "مكتبة الفنون الجميلة" بعد يومين من صدور قرار بإغلاقها شهراً كاملاً. ومثلما كان الأمر بالنسبة إلى الإغلاق وحجز الكتاب ومنع جلسة تقديمه، لم يصدر أيّ بيان من أيّة جهة رسمية بخصوص إعادة الفتح، والذي سنعلم به من خلال بيان "منشورات كوكو" نفسه.
بدا لقاء الوزيرة بالباحثة التي مُنع كتابها بمثابة "نهاية سعيدة" للقضية
بعد يومَين من ذلك (23 أفريل)، ستظهر فاطمة أوصديق في صورة مع وزيرة الثقافة مليكة بن دودو، نشرتها الأخيرة على حسابها الشخصي في فيسبوك، وأرفقتها بنص وصفت فيه الباحثة بأنّها "مثقّفة عالمية، من أبرز المختصّين في علم الاجتماع"، مضيفةً: "فاطمة أوصديق امرأة متفرّدة، تحمل أسئلة عميقة وانشغالات مستمرّة حول الجزائر: تاريخها، خصوصياتها، ومسارها نحو المستقبل. لكنّ الأجمل من كلّ ذلك، أنّ حبّها للجزائر يعلو فوق كلّ اعتبار".
بالإضافة إلى خبر إعادة فتح "مكتبة الفنون الجميلة"، بدا لقاء الوزيرة بالباحثة التي مُنعت من تقديم كتابها بمثابة "نهاية سعيدة" للقضية التي شغلت الوسط الثقافي والأكاديمي على مدار أسبوع. غير أنّ الأمور ستأخذ منحىً دراماتيكياً بعد ذلك؛ مع نشوب سجالٍ بين الكاتبة وناشرها، انتهى بإعلان الانفصال بينهما.
سجال فانفصال
بدأ ذلك بمنشور لفاطمة أوصديق شكرت فيه الوزيرة على استقبالها، وأيضاً المتعاطفين معها، مضيفةً: "هذه الردود تُعزّز موقفي: أنا أكاديمية. ليس لدي أيَّ أجندة سياسية، وبالتالي ليس لديَّ سوى أجندات علمية. على الرغم من أنّ لديَّ بطبيعة الحال قناعات سياسية مثل أي فرد، إلّا أنّني نتاج تاريخ يندرج ضمن الدفاع عن الوطن".
وأشارت أوصديق إلى أنّها تلقّت مقترحات لنشر كتابها في الخارج، لكنّها رفضتها، انطلاقاً من "حرصها الدائم" على أن تُنشر أعمالها في الجزائر.
حرصت الكاتبة، في منشورها، على التأكيد بأنّ ما وصفته بالأحداث التي رافقت صدور كتابها الأخير كانت خارجةً عن إرادتها؛ فقد: "علمتُ، في نفس الوقت مع الجميع، أنّ الرقم الدولي المعياري للكتاب (ISBN) الموجود على النسخ التي كان يُفترَض أن أوقّعها لم يكن مطابقاً، وأنّ الإيداع القانوني لم يتمّ، وأنّ العنوان المودع كان مبتوراً، وأنّ جلسة التوقيع قد أُلغيت".
كما أبدت أسفها واستغرابها من عرض الكتاب على موقع "أمازون" من دون إعلامها مسبقاً، وعبّرت عن أملها بحلّ سريع لـ"هذه المشاكل التقنية"، قائلةً: "من مسؤوليتي العمل على جعل هذا الكتاب متاحاً، وفقاً للقانون، لطلّابي وقرّائي في وقت معقول".
أثار هذا الحديث حفيظة "منشورات كوكو" التي سارعت إلى إصدار بيان عّبرت فيه عن استغرابها منه، مؤّكدةً تصحيح "الخطأ الطباعي" في الرقم الدولي المعياري الذي قالت إنّه "استُخدم ذريعة لإثارة موجة استثنائية من الانتقادات"، إضافةً إلى إنجاز الإيداع القانوني يوم 21 أفريل.
وانتقدت الدار حديث أوصديق عن التفاصيل التقنية و"الأجندة السياسية"، قائلةً إنّه يعكس "تحوّلاً يستحضر التفصيل التقني للتغطية على الجوهر السياسي"؛ فـ"بعيداً عن الكتاب ومؤلّفته والناشر، فإن التدخّل المفاجئ للشرطة داخل مكتبة لمنع جلسة توقيع وإغلاقها يهدف إلى حظر ما تبقّى من فضاءات النقاش الحر في العاصمة".
وبالنسبة إلى الدار فإنّ أوصديق، بحديثها ذلك، تكون قد "أنهت العقد المعنوي الذي كان يحكم إلى حدّ الآن علاقة ودّية ومثمرة منذ عام 2022".
وأعلنت أنّها قرّرت التخلّي عن توزيع واستغلال كتاب "الهويات المتمردة" تجارياً، بعد نفاد الطبعة المصحّحة التي تضمّ 200 نسخة، وأيضاً سحبه من منصّة "أمازون"، وذلك "لقطع الطريق أمام حملة مسمومة تهدف إلى تشويه سمعة الدار واتهامها بأنّها افتعلت ضجّة إعلامية لإنعاش مواردها المالية".
وبنبرة ساخرة، تمنّت الدار للكاتبة أن "تجد لدى ناشرها المستقبلي ظروف نشر أكثر توافقاً مع مواقفها المعلنة ذات الطابع الوطني".
وعلّقت أوصديق على البيان بمنشورين؛ كتبت في أحدهما: "أشكر السيد آيت العربي على بيانه. ويبقى عليّ أن أفهم كيف أنّه، رغم علمه بالنقائص التي يتحمّل وحده مسؤوليتها، برمج جلسة التوقيع"، وفي الآخر: "أودّ أن أوضح أنّني لم أشعر يوماً بالخجل من وطنيتي".
بين رأيين
اتّسع السجال ليشمل فريقين يُقدّمان وجهتَي نظر مختلفتَين؛ ترى إحداهما أنّ الأمر يتعلّق بـ"خطأ تقني" تتحمّل دار النشر مسؤوليته، وتذهب الأُخرى إلى أنّ الحديث عن الجوانب التقنية يُراد منه التغطية على المسألة الأساسية: الحرّيات.
ضمن الرأي الأوّل، نقرأ منشوراً طويلاً للناشطة النسوية آمال حجاج اعتبرت فيه أنّ عدم وجود إيداع قانوني للكتاب يجعل من الحديث عن الرقابة "أمراً مبالغاً فيه"، وأنّ نشر كتاب برقم ISBN خاطئ "ليس خطأً بسيطاً، بل عمل مرتجل وغير مسؤول"، وأنّ "الاستمرار في الترويج لفعالية أُلغيت مسبقاً، ثمّ تقديم النفس كضحية، يدخل في إطار الإخراج المسرحي".
وكتبت حجاج: "أنا إذن متضامنة مع فاطمة (أوصديق) في مواجهة هذه الحملة التي أطلقتها منشورات كوكو، والتي بدأت تصبح محترفة في صناعة الجدل: تُطلق الحملة، فتنتشر فوراً بشكل جماعي. وأنا متضامنة معها أيضاً لأنّها تعرّضت أوّلًا لإجراءات غير مهنية وهشّة قانونياً، ثم لردّ مؤسّساتي ما زلت أراه صارماً أكثر من اللازم. أريد مزيداً من الحرية، ومزيداً من المرونة، ومزيداً من النضج الديمقراطي لبلدي".
وأضافت: "وأنا أيضاً متضامنة مع منشورات كوكو كلما وُجدت حقّاً حالات قمع أو ضغط أو ترهيب. لكنني سأقاطعها من الآن فصاعداً، لأنّ التضامن مع الحّريات لا يعني التصفيق للهواية والارتجال".
في المقابل، علّق الصحافي نجيب بلحيمر على السجال الدائر متسائلاً: "هل تشعر الأستاذة فاطمة أوصديق أنّها تعيش في بلد الحريات الفردية والجماعية؟ وهل أجواء الجامعة التي تعمل فيها توحي لها بذلك؟"، ليضيف: "مبرّر السؤال: أنّ بيانها عن حادثة منع جلسة توقيع كتابها وغلق المكتبة التي كانت ستحتضن هذا الحدث لم يشر إلى هذا التفصيل من قريب أو من بعيد".
وتساءل أيضاً: "ما علاقة استقبال وزيرة الثقافة لمؤلّفة الكتاب بالبيان الذي أصدرته وتضمّن إدانة صريحة للناشر؟". مبرّر السؤال، وفق بلحيمر، أنّ الوزيرة لم تستقبل مُخرج فيلمٍ مُنع عرضه ولم تعلّق على المنع، في إشارة إلى فيلم "العربي" الذي قال مُخرجه مالك بن سماعيل إنّه مُنع من العرض ضمن فعاليات الدورة السادسة من "مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي".
وطرح بلحيمر سؤالاً ثالثاً: "ما الذي دفع الأستاذة فاطمة أوصديق للتبرّؤ من الأجندات السياسية في سياق حادثة تصفها بأنها تقنية وتتعلّق بكتاب أكاديمي يرتكز على بحث ميداني؟"، مضيفاً: "مبرّر السؤال: صورة الراحل كمال الدين فخار التي ظهرت على غلاف الكتاب، وكانت مقولتُه 'سأموت، لكن المزاب سيحيا' مع هامش: 'مقولة لكمال الدين فخار، توفي بالسجن يوم 28 ماي 2019' أوّل ما يُقرأ في الكتاب".
سينما
سينمائيون ينددون بمنع عرض فيلم "العربي"
ندد سينمائيون جزائريون بمنع فيلم "العربي" لمالك بن سماعيل، داعين إلى رفع "القيود التعسفية" عن عرض الأعمال السينمائية وتوزيعها.