في منتصف ديسمبر الماضي، أعلنت "مؤسّسة أرتيسيمو" الثقافية في الجزائر عن الفائزين في النسخة الأُولى من "مسابقة أرتيسيمو- مار نوستروم للقصّة القصيرة"، والتي أطلقتها بالتزامن مع مرور خمسة وعشرين عاماً على تأسيسها.
عادت الجوائز إلى محمد علاوة حاجي عن قصّته "حاوِل أن تقرأ هذه القصّة" في فرع اللغة العربية، وحنان ذهبية خبور عن قصّتها "ظلال الوادي" بالأمازيغية، ومحمد مير عن قصّته "سراب إستيل" بالفرنسية.
واختيرت القصص الثلاث من بين 283 قصّة قصيرة وصلت إلى لجنة التحكيم التي ترأّسها الكاتب والناشر لزهاري لبتر، وضمّت في عضويتها كلّاً من الكاتبة والصحافية مريم قماش، والكاتب والصحافي مصطفى بن فوضيل، والشاعر والأكاديمي حميد بوحبيب، والكاتب بشير مفتي.
احتفاء بالأصوات الجزائرية
وصفت لجنة التحكيم النصوص الفائزة بأنّها "ثلاثة أصوات، ثلاثة عوالم، وثلاث طرق للعيش في هذا العالم"، وأضافت أنّ القصص اختيرت في المرحلة الأخيرة من بين 15 قصّة وصلت إلى القائمة النهائية.
أمّا القائمون على الجائزة، فأشاروا إلى أنّ النسخة الأُولى عرفت مشاركة كتّاب من مناطق مختلفة من الجزائر ومن خارجها أيضاً. "لقد أثبتُّم أنّ القصص تنتشر أسرع من الضوء"، خاطبت "أرتيسيمو" المشاركين، مضيفةً أنّ "الجائزة إيذانٌ بحركة ثقافية جديدة، ما زالت في بدايتها".
لماذا القصّة؟
أطلقت "أرتيسيمو" الجائزة الموجَّهة للكتّاب الجزائريين في الجزائر والمهجر، بالتعاون مع هيئات استثمارية خاصّة، بهدف "تشجيع الكتابة الأصيلة والخيال الحرّ" وفق تعبيرها، مُعتبرةً المسابقة بمثابة دعوة إلى "إعادة اكتشاف الأدب الجزائري، بما يحمله من تنوّع ثقافي ولغوي يعكس ثراء الهوية الوطنية".
أمّا لماذا القصّة القصيرة تحديداً؟ فالإجابة، التي تُقدّمها مديرة المؤسّسة، زفيرة وارتسي، تكمن في أنّ هذا الفنّ السردي "يكاد يكون غائباً عن الجوائز الأدبية في الجزائر".
تقول وارتسي، في حديثها إلى "أصوات جزائرية": "بعد الاتفاق مع المموّلين والنقاش مع المنظّمين ولجنة التحكيم، طُرح هذا السؤال: هل ستكون جائزة أدبية للرواية أم للقصّة القصيرة أم لنوع أدبي آخر؟ وفي النهاية، وقع اختيارنا على القصّة القصيرة، لإيماننا بقدرتها على إعطاء فكرة ما، مكثّفة وكاملة، عن الحياة".
تضيف: "مهما كان المسار الذي نسلكه، فإنّ القصّة تُصوّر لنا المجتمع بطريقة أو بأخرى. وعلى الدوام، ستكون هناك أجيالٌ من كُتّاب القصّة تُعبّر عن رؤيتها الخاصّة للجزائر والعالم".
لم تمض سوى 25 سنة!
تعتبِر زفيرة وارتسي أنّ تنظيم مسابقة أدبية هو مشروع ثقافي متكامِل، لا يختلف عن المشاريع الثقافية التي جسّدتها مؤسّستها منذ بداية الألفية، و"كان السؤال المحوري فيها هو كيفية تلبية أنشطة المؤسّسة وخدماتها حاجيات حقيقية في المجتمع، وتُسهم في تنمية وتطوير مهارات أفراده".
لا تفوّت وارتسي مناسبة الحديث عن تجربة "أرتيسيمو" من دون أن تتطرّق إلى صعوبات العمل في المجال الثقافي؛ حيث تشير إلى "أولويات المجتمع المتغيّرة في كلّ مرحلة وظرف". توضّح: "كان علينا التحلّي بالمرونة والتفاعل وإعادة النظر بشكل دائم في نموذج العمل المناسب والفعّال، خصوصاً أنّ مؤسّستنا شركة تجارية، لا يمكنها الاستفادة من المنح والتبرّعات الموجَّهة للمنظمات غير الربحية. وذلك يفرض وضع المسألة الاقتصادية جنباً إلى جنب مع العمل الثقافي".
"عندما أطلقتُ أرتيسيمو، كنتُ في الخامسة والعشرين. وكما ترون، لم تمضِ سوى خمسة وعشرين عاماً أخرى!"، تقول وارتسي مستعيدةً لحظة البداية قبل ربع قرن، وكانت الجزائر حينها خارجةً للتوّ من عشرية التسعينيّات السوداء، وتضيف: "أردنا أن ننجز مشاريع ثقافية برغبة حقيقية في العمل، وفي تقديم شيء مختلف".
وتُردف: "لا شكّ أنّنا تعثّرنا في البدايات، وواجهتنا مواقف صعبة، ولم يكن الجانب المالي جيّداً دائماً. لكن كسب الرهان كان يتطلّب الالتزام على المدى الطويل، والاستفادة من الأخطاء، والتعامل بمنتهى الجدّية مع كلّ مشروع ننجزه أو نفكّر فيه على المستوى الوطني أو الدولي".
افعل
أقامت "مؤسّسة أرتيسيمو"، خلال السنوات الماضية، العديد من المؤتمرات والمهرجانات والعروض الأدائية والحفلات. وحالياً، تُحضّر لتنظيم منتدى عربي- دولي في الجزائر برعاية وزارة الثقافة والفنون هذه المرّة، تحت اسم "افعل". والكلمة، التي تحمل معنىً معروفاً في صياغتها العربية، هي أيضاً تجميع للأحرف الأولى من العبارة الإنكليزية International Forum for Arab Art Leaders.
يجمع المنتدى، المقرّر إقامته بين 20 و23 ماي المقبل، قادة وروّاد الأعمال والفنّ والثقافة في العالم العربي، من مديري مؤسّسات وناشرين وكتّاب وفنّانين وناشطين في المجال الثقافي المؤسّسي، بهدف "مناقشة مختلف القضايا المتعلقة بالصناعات الثقافية في مجالات الموسيقى والأدب والتصميم الفنّي وغيرها".
وفي ظلّ غياب شبه تامّ للشراكات مع الدول العربية في هذا المجال، تقول زفيرة وارتسي إنّ المنتدى، الذي "يُمثّل تتويجاً لعشر سنوات من التفكير"، يسعى إلى إتاحة فرصة للجمهور للتعرّف عن قرب على مشاريع المؤسّسات الثقافية المشاركة، الجزائرية والعربية، مشيرةً إلى أنّه سيتضمّن ورشات عمل وأجنحة تعرض تجارب وأعمال الفنّانين والشرِكات، ليتمكّن أصحابُها من تبادل خبراتهم، إضافةً إلى إبرام الصفقات والتوقيع على عقود، انطلاقاً من التفكير في العلاقة التبادلية بين الثقافة والاقتصاد".
ضرورة ملحّة
في ختام حديثها إلى "أصوات جزائرية"، تلفت زفيرة وارتسي إلى "ضرورة وعي الجهات المعنية بأهمية تقديم الدعم اللازم للقطاع الثقافي؛ فالفنّانون، في الواقع، يُبدعون ويعملون ويتطوّرون، لكن غالباً ما يواجهون نقصاً في الموارد والفضاءات لإنتاج أعمالهم واحتضانها والترويج لها".
وتضيف، في هذا السياق: "من هنا، أُجدّد دعوتي إلى الشركات والمؤسّسات والأفراد القادرين على دعم الإبداع الفنّي، وطبعاً إلى السلطات العمومية، للمبادرة بالإسهام في تطوير القطاع، ليتمكّن الفنّانون من التعبير عن أنفسهم بحرية واكتساب حضور بارز محلّياً وعالمياً".
وتختم بالقول: "ربط الثقافة بالاقتصاد ليس ترفاً، بل هو ضرورة ملحّة تستدعي أن يكون الجميع فاعلاً مهما كانت الظروف والصعوبات".
مشهد
أحمد رضا حوحو يودّع "مكتبة الثقافة العربية"
مكتبةٌ جزائرية أُخرى تغلق أبوابها. هذه المرّة "مكتبة الثقافة العربية"، والسبب "ارتفاع ثمن الإيجار مقابل انخفاض مبيعات الكتب".