عاجل

صورة بحجم كامل

"عيون مغمضة على اتساعها"... بين ستانلي كوبريك وجيفري إبستين

ليس الفيلم محاكاة لما حدث على جزيرة إبستين؛ فهو لا يقول حرفياً إن العالم يُدار بطقوس سرّية، بل يقول إن جوهر السلطة محجوب دائماً.

05 فيفري 2026 | 20:57

من فيلم "عيون مغلقة على اتساعها"
من فيلم "عيون مغلقة على اتساعها"

حتى وقت قريب، كانت الأفلام التي تتناول التجمعات السرّية للنخب العالمية تُستقبل بوصفها نتاجاً لخيال سينمائي جامح، أو كتمارين بصرية تستثمر هوس الجمهور بما يُسمّى "الحكومة الخفية".

محافل مغلقة، طقوس غامضة، شبكات نفوذ تُدار في الظل؛ كلّ ذلك ظلّ حبيس خانة الشك، متأرجحاً بين نظرية المؤامرة وسرديات هوليوود المولعة بكشف ما يُفترض أنه "ما وراء الستار". لم يكن يُنظر إلى هذه الأعمال باعتبارها تشخيصاً جدّياً للواقع، بل بوصفها مبالغات فنّية تمنح المتلقّي متعة الارتياب من دون أن تُلزمه بمواجهة الحقيقة المزعجة؛ أنّ السلطة، حين تُعفى من المساءلة، لا تحتاج إلى التوحش العلني كي تمارس عنفها.

هذا الاطمئنان النقدي بدأ يتصدّع مع عودة لافتة على مواقع التواصل الاجتماعي لفيلم "عيون مغلقة على اتساعها"1 لستانلي كوبريك2، ليس باعتباره عملاً سينمائياً مثيراً فحسب، بل بوصفه عدسة تكشف بنية السلطة حين تعمل خارج الضوء.

تشابه بنيوي

لا تنبع العودة إلى الفيلم اليوم من فضول سينمائي، بل من واقع فرض نفسه بقوة، بعد أن كشفت وثائق جيفري إبستين عن شبكة علاقات معقّدة تربط المال بالنفوذ، وتُظهر كيف يمكن للسلطة أن تُدار في فضاءات معزولة عن القانون والأخلاق معاً.

لم تُحدث وثائق إبستين، التي ظهرت تباعاً وتكشّفت أجزاء منها في الإعلام ثم في مساحات رقمية مغلقة، صدمةً لأنها كشفت عن جرائم مروّعة فحسب، بل لأنها كشفت عن نمط يُظهر أن الانتهاكات لم تكن حوادث فردية معزولة، بل ممارسات جرت داخل دوائر محصّنة، يصعب تخيّلها ونسجها بسهولة، دوائر من العلاقات والامتيازات تفرض الحماية على نفسها بما تملكه من سطوة وقوّة. هنا تحديداً، بدأ الالتباس المقلق بين ما صوّرته السينما وما كشفه الواقع. ليس لأن الفيلم كان كشفاً، بل لأن الخيال الفنّي لمس بنية حقيقية ظلّ العالم يتجاهلها طالما بقيت بلا أسماء.

ما يربط الفيلم بقضية إبستين ليس التطابق بين الوقائع، بل التشابه البنيوي. في الفيلم، تُمارَس السلطة داخل فضاء مغلق، لا يُسمح بدخوله إلّا بشروط لا تُفهم كاملة، ولا تُشرح أبداً. وفي قضية إبستين، كما أظهرت التحقيقات، كانت العزلة الجغرافية: جزر خاصّة، قصور، وسائل نقل محدودة الوصول، جزءاً من نظام السيطرة. وهنا، لا يظهر النفوذ في الخطابات العامّة، بل في القدرة على إبعاد الأفعال عن المساءلة.

شبكة أوسع

عُرض فيلم "عيون مغلقة على اتساعها" في العام ذاته الذي رحل كوبريك، وسط تكهنات ربطت رحيله بما اعتُبر جرأة غير مسبوقة فيما كشفه العمل، الذي لم يكن معنياً بفضح أسماء أو الإشارة إلى متورطين بعينهم، بقدر ما كان منشغلاً بتشريح النظام الذي يتيح وجودهم أصلاً؛ فالفيلم لا يتناول الجنس بوصفه موضوعاً، بل بوصفه أداة كاشفة للحدود: من يُسمح له بالرؤية، ومن يُفرض عليه الصمت، ومن يملك السلطة الحقيقية من دون أن يضطر إلى الظهور.

في هذا السياق، لا تبدو قضية إبستين انحرافاً عابراً أو حادثة استثنائية، بل نموذجاً كاشفاً لكيفية اشتغال النفوذ حين يتداخل المال مع غياب المساءلة.

لم يكن إبستين ظاهرة منفصلة عن محيطها، بل حلقة ضمن شبكة أوسع من العلاقات والمصالح. صحيح أن التمييز القانوني بين الشبهة والدليل يظلّ ضرورياً ولا غنى عنه، لكنه لا يُلغي السؤال السياسي والأخلاقي الأعمق: كيف يمكن لنظام كهذا أن يعمل بسلاسة، وأن يستمر لسنوات، ثم يُطوى ملفّه - كما هو مرجّح - ويُترك للنسيان وسط ضجيج الأزمات العالمية، ونذر الحروب التي تلوح في الأفق أو تُؤجَّل قليلاً؟

هنا، تصبح مساءلة قادة الدول، والشخصيات العلمية والثقافية، مسألة تتجاوز الإدانة الجنائية؛ فالقضية ليست فقط فيمن ارتكب الفعل، بل فيمن وفّر الغطاء، ومن صمت، ومن تعامل مع شخصية تحوم حولها شبهات خطيرة بوصفها شريكاً مقبولاً. حتى حين لا تُثبت الإدانة، تبقى المسؤولية الأخلاقية قائمة. ماذا يعني أن تتعامل النخب الحاكمة مع الفضيحة كأزمة عامّة، لا ككارثة أخلاقية؟ وأيّ رسالة يبعث بها ذلك إلى عالم يُفترض أنه يتبنّى قيم العدالة والكرامة؟

الفضيحة كمحتوىً

الأخطر من ذلك كلّه هو البعد الثقافي للقضية؛ فالعالم المُعاصر بارع في تحويل الفضائح إلى محتوى، ثم استهلاكها، ثم نسيانها. هكذا، قد تتحوّل قضية إبستين إلى مادة وثائقية، أو مسلسل، أو نقاش عابر، قبل أن تُدفن تحت طبقات من الأخبار الجديدة. هنا، يلتقي الفيلم بالواقع مجدّداً: الخطر ليس في وجود عوالم مغلقة، بل في تطبيعها، وفي قبول فكرة أن ما يحدث هناك لا يخصّ العالم الطبيعي.

"عيون مغلقة على اتساعها" ليس محاكاة لما حدث فعلاً على جزيرة إبستين؛ فهو لا يقول حرفياً إن العالم يُدار بطقوس سرّية، بل يقول إن جوهر السلطة محجوب دائماً، وإنّ ما يُعرض على العامّة ليس سوى نسخة آمنة من الحقيقة.

في النهاية، لا يدعو هذا التقاطع بين السينما والفضيحة إلى التبنّي الأعمى لنظريات المؤامرة، بقدر ما يحثّ على التخلّي عن السذاجة، وعلى تذكّر حقيقة أن المال والنفوذ يعيدان رسم حدود الجريمة، وأن التغاضي عن هذه الانتهاكات وتناسيها، حين يتحول إلى سياسة عالمية ممنهجة، لا يكون بريئاً بأي حال.

اقرأ أيضاًكتب متبادلة بين جنوب القارة الأمريكية وشمالها

راهن

كتب متبادلة بين جنوب القارة الأمريكية وشمالها

لم تكن هدية تشافيز لأوباما أو هدية ترامب لبيترو نصاً محايداً، بل لم تكن الكتب نصوصاً بالمرة؛ فهي لم تُسلّم لتُقرأ بل لتبلغ رسالة.

علي صلاح بلداوي
علي صلاح بلداوي شاعر وصحافي عراقي من مواليد 1996، حاصل على البكالوريوس في القانون، ويشتغل في الصحافة الثقافية والتصميم الغرافيكي.

ذات صلة

ثلاثة تماثيل مرّت على "ساحة الأمير عبد القادر"

مكان - الجزائر

ثلاثة تماثيل مرّت على "ساحة الأمير عبد القادر"

"مهرجان سعيدة لأدب وسينما المرأة"... أسئلة الذاكرة والمقاومة والمنفى

سينما - الجزائر

"مهرجان سعيدة لأدب وسينما المرأة"... أسئلة الذاكرة والمقاومة والمنفى

"الهويات المتمردة"... سجال الحريات والتفاصيل التقنية

راهن - الجزائر

"الهويات المتمردة"... سجال الحريات والتفاصيل التقنية

سينمائيون ينددون بمنع عرض فيلم "العربي"

سينما - الجزائر

سينمائيون ينددون بمنع عرض فيلم "العربي"

"عيون مغمضة على اتساعها"... بين ستانلي كوبريك وجيفري إبستين

ليس الفيلم محاكاة لما حدث على جزيرة إبستين؛ فهو لا يقول حرفياً إن العالم يُدار بطقوس سرّية، بل يقول إن جوهر السلطة محجوب دائماً.
من فيلم "عيون مغلقة على اتساعها"
من فيلم "عيون مغلقة على اتساعها"

حتى وقت قريب، كانت الأفلام التي تتناول التجمعات السرّية للنخب العالمية تُستقبل بوصفها نتاجاً لخيال سينمائي جامح، أو كتمارين بصرية تستثمر هوس الجمهور بما يُسمّى "الحكومة الخفية".

محافل مغلقة، طقوس غامضة، شبكات نفوذ تُدار في الظل؛ كلّ ذلك ظلّ حبيس خانة الشك، متأرجحاً بين نظرية المؤامرة وسرديات هوليوود المولعة بكشف ما يُفترض أنه "ما وراء الستار". لم يكن يُنظر إلى هذه الأعمال باعتبارها تشخيصاً جدّياً للواقع، بل بوصفها مبالغات فنّية تمنح المتلقّي متعة الارتياب من دون أن تُلزمه بمواجهة الحقيقة المزعجة؛ أنّ السلطة، حين تُعفى من المساءلة، لا تحتاج إلى التوحش العلني كي تمارس عنفها.

هذا الاطمئنان النقدي بدأ يتصدّع مع عودة لافتة على مواقع التواصل الاجتماعي لفيلم "عيون مغلقة على اتساعها"1 لستانلي كوبريك2، ليس باعتباره عملاً سينمائياً مثيراً فحسب، بل بوصفه عدسة تكشف بنية السلطة حين تعمل خارج الضوء.

تشابه بنيوي

لا تنبع العودة إلى الفيلم اليوم من فضول سينمائي، بل من واقع فرض نفسه بقوة، بعد أن كشفت وثائق جيفري إبستين عن شبكة علاقات معقّدة تربط المال بالنفوذ، وتُظهر كيف يمكن للسلطة أن تُدار في فضاءات معزولة عن القانون والأخلاق معاً.

لم تُحدث وثائق إبستين، التي ظهرت تباعاً وتكشّفت أجزاء منها في الإعلام ثم في مساحات رقمية مغلقة، صدمةً لأنها كشفت عن جرائم مروّعة فحسب، بل لأنها كشفت عن نمط يُظهر أن الانتهاكات لم تكن حوادث فردية معزولة، بل ممارسات جرت داخل دوائر محصّنة، يصعب تخيّلها ونسجها بسهولة، دوائر من العلاقات والامتيازات تفرض الحماية على نفسها بما تملكه من سطوة وقوّة. هنا تحديداً، بدأ الالتباس المقلق بين ما صوّرته السينما وما كشفه الواقع. ليس لأن الفيلم كان كشفاً، بل لأن الخيال الفنّي لمس بنية حقيقية ظلّ العالم يتجاهلها طالما بقيت بلا أسماء.

ما يربط الفيلم بقضية إبستين ليس التطابق بين الوقائع، بل التشابه البنيوي. في الفيلم، تُمارَس السلطة داخل فضاء مغلق، لا يُسمح بدخوله إلّا بشروط لا تُفهم كاملة، ولا تُشرح أبداً. وفي قضية إبستين، كما أظهرت التحقيقات، كانت العزلة الجغرافية: جزر خاصّة، قصور، وسائل نقل محدودة الوصول، جزءاً من نظام السيطرة. وهنا، لا يظهر النفوذ في الخطابات العامّة، بل في القدرة على إبعاد الأفعال عن المساءلة.

شبكة أوسع

عُرض فيلم "عيون مغلقة على اتساعها" في العام ذاته الذي رحل كوبريك، وسط تكهنات ربطت رحيله بما اعتُبر جرأة غير مسبوقة فيما كشفه العمل، الذي لم يكن معنياً بفضح أسماء أو الإشارة إلى متورطين بعينهم، بقدر ما كان منشغلاً بتشريح النظام الذي يتيح وجودهم أصلاً؛ فالفيلم لا يتناول الجنس بوصفه موضوعاً، بل بوصفه أداة كاشفة للحدود: من يُسمح له بالرؤية، ومن يُفرض عليه الصمت، ومن يملك السلطة الحقيقية من دون أن يضطر إلى الظهور.

في هذا السياق، لا تبدو قضية إبستين انحرافاً عابراً أو حادثة استثنائية، بل نموذجاً كاشفاً لكيفية اشتغال النفوذ حين يتداخل المال مع غياب المساءلة.

لم يكن إبستين ظاهرة منفصلة عن محيطها، بل حلقة ضمن شبكة أوسع من العلاقات والمصالح. صحيح أن التمييز القانوني بين الشبهة والدليل يظلّ ضرورياً ولا غنى عنه، لكنه لا يُلغي السؤال السياسي والأخلاقي الأعمق: كيف يمكن لنظام كهذا أن يعمل بسلاسة، وأن يستمر لسنوات، ثم يُطوى ملفّه - كما هو مرجّح - ويُترك للنسيان وسط ضجيج الأزمات العالمية، ونذر الحروب التي تلوح في الأفق أو تُؤجَّل قليلاً؟

هنا، تصبح مساءلة قادة الدول، والشخصيات العلمية والثقافية، مسألة تتجاوز الإدانة الجنائية؛ فالقضية ليست فقط فيمن ارتكب الفعل، بل فيمن وفّر الغطاء، ومن صمت، ومن تعامل مع شخصية تحوم حولها شبهات خطيرة بوصفها شريكاً مقبولاً. حتى حين لا تُثبت الإدانة، تبقى المسؤولية الأخلاقية قائمة. ماذا يعني أن تتعامل النخب الحاكمة مع الفضيحة كأزمة عامّة، لا ككارثة أخلاقية؟ وأيّ رسالة يبعث بها ذلك إلى عالم يُفترض أنه يتبنّى قيم العدالة والكرامة؟

الفضيحة كمحتوىً

الأخطر من ذلك كلّه هو البعد الثقافي للقضية؛ فالعالم المُعاصر بارع في تحويل الفضائح إلى محتوى، ثم استهلاكها، ثم نسيانها. هكذا، قد تتحوّل قضية إبستين إلى مادة وثائقية، أو مسلسل، أو نقاش عابر، قبل أن تُدفن تحت طبقات من الأخبار الجديدة. هنا، يلتقي الفيلم بالواقع مجدّداً: الخطر ليس في وجود عوالم مغلقة، بل في تطبيعها، وفي قبول فكرة أن ما يحدث هناك لا يخصّ العالم الطبيعي.

"عيون مغلقة على اتساعها" ليس محاكاة لما حدث فعلاً على جزيرة إبستين؛ فهو لا يقول حرفياً إن العالم يُدار بطقوس سرّية، بل يقول إن جوهر السلطة محجوب دائماً، وإنّ ما يُعرض على العامّة ليس سوى نسخة آمنة من الحقيقة.

في النهاية، لا يدعو هذا التقاطع بين السينما والفضيحة إلى التبنّي الأعمى لنظريات المؤامرة، بقدر ما يحثّ على التخلّي عن السذاجة، وعلى تذكّر حقيقة أن المال والنفوذ يعيدان رسم حدود الجريمة، وأن التغاضي عن هذه الانتهاكات وتناسيها، حين يتحول إلى سياسة عالمية ممنهجة، لا يكون بريئاً بأي حال.

اقرأ أيضاًكتب متبادلة بين جنوب القارة الأمريكية وشمالها

راهن

كتب متبادلة بين جنوب القارة الأمريكية وشمالها

لم تكن هدية تشافيز لأوباما أو هدية ترامب لبيترو نصاً محايداً، بل لم تكن الكتب نصوصاً بالمرة؛ فهي لم تُسلّم لتُقرأ بل لتبلغ رسالة.

علي صلاح بلداوي
علي صلاح بلداوي شاعر وصحافي عراقي من مواليد 1996، حاصل على البكالوريوس في القانون، ويشتغل في الصحافة الثقافية والتصميم الغرافيكي.

المزيد من راهن

  • "الهويات المتمردة"... سجال الحريات والتفاصيل التقنية
    راهن - الجزائر

    "الهويات المتمردة": سجال الحريات والتفاصيل التقنية

    تحول الجدل حول منع جلسة تقديم كتاب "الهويات المتمردة" إلى سجال بين فريق يختزل الأمر في "خطأ تقني" وآخر يرى أن المسألة أعقد من ذلك.

    28 أفريل 2026

  • إطار قانوني مشدد للحصول على تمويل أجنبي
    راهن - الجزائر

    إطار قانوني مشدد للحصول على تمويل أجنبي

    ألزمت الحكومة الجزائرية نفسها بإطار قانوني مشدد عند اللجوء إلى التمويل الخارجي، باشتراط توجيه القروض إلى المشاريع الإستراتيجية.

    23 أفريل 2026

  • خدمات قنصلية لجزائريي كاليدونيا الجديدة
    راهن - الجزائر

    خدمات قنصلية لجزائريي كاليدونيا الجديدة

    قال وزير الخارجية الجزائري إن الدولة اتخذت إجراءات لتسهيل استفادة الجالية الجزائرية في كاليدونيا الجديدة من الخدمات القنصلية.

    22 أفريل 2026

  • كمال داود... حُكم غيابي بسجنه ثلاث سنوات
    راهن - الجزائر

    كمال داود... حُكم غيابي بسجنه ثلاث سنوات

    قضت محكمة في وهران، غيابياً، بسجن الكاتب الجزائري الفرنسي كمال داود ثلاث سنوات نافذة ودفع غرامة مالية في قضية روايته "حوريات".

    22 أفريل 2026