يُعيد ظهور ثلاث حالات إصابةٍ بفيروس شلل الأطفال في الجنوب الجزائري، قبل أسابيع، الإضاءة على أخطار انخفاض معدّلات التطعيم، وعلى أهمّية تعزيز الوقاية من فيروس شديد العدوى ولا علاج له بعد الإصابة، خصوصاً أنّ الحالات المسجَّلة مرتبطةٌ بسلالة متحوّلة، تنتشر عادةً في البيئات التي تشهد تراجعاً في التغطية اللقاحية.
حملةٌ وطنية
بعد تسجيل الحالات الثلاث في ولايات تقرت وتمنراست وبرج باجي مختار، أطلقت وزارة الصحّة الجزائرية، بشكل استعجالي، حملةً وطنية للتلقيح ضدّ شلل الأطفال، تستهدف، ضمن ثلاث مراحل، قرابة أربعة ملايين ونصف مليون طفل تتراوح أعمارهم بين شهرَين وخمس سنوات، بمن فيهم الذين سبق لهم تلقّي الجرعات الروتينية.
شهدت المرحلة الأُولى (30 نوفمبر - 8 ديسمبر) إقبالاً كبيراً من الأولياء؛ حيث جرى تطعيم 3.823.066 طفلاً عبر المستوى الوطني بنسبة بلغت 95% وفق بيان لوزارة الصحّة.
في ما يمكن أن يكون مؤشّراً إلى ارتفاع الوعي الصحّي لدى الأُسر وتزايُد الإدراك بخطورة الفيروس المتحوّر وضرورة حماية الأطفال منه.
وتُعوّل السلطات الصحّية على الزخم الذي شهدته المرحلة الأُولى لإنجاح المرحلتَين الثانية والثالثة المبرمجتَين خلال ديسمبر 2025 وجانفي 2026، بهدف تعزيز المناعة الجماعية وقطع سلسلة انتشار الفيروس.
لماذا عاد؟
تربط طبيبة الأطفال، نجاح خربة، عودة فيروس شلل الأطفال في الجزائر، بمجموعة من العوامل؛ أبرزها "التراجع الحادّ" في التغطية اللقاحية خلال السنوات الأخيرة.
وتشير خربة، في حديث إلى "أصوات جزائرية"، إلى أنّ أحدث إحصائيات وزارة الصحّة تُظهر انخفاض نسب التلقيح إلى قرابة 65% فقط، بعد أن تجاوزت 90% سابقاً.
وخلق هذا الانخفاض، وفق المتحدّثة، ما يُسمّى "الفجوة المناعية"؛ وهي مساحةٌ وبائية تتيح عودة فيروسات سبق للجزائر أن قضت عليها.
تضيف الطبيبة أنّ الوضع يتعقّد أكثر في بعض ولايات الجنوب الجزائري؛ حيث تتراجع ظروف النظافة والصحّة العمومية بسبب الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، إذ تُسهّل البيئة غير الصحّية من انتشار الفيروس المعوي الذي ينتقل أساساً عبر البراز والماء والغذاء الملوّثين.
ومع تسجيل أغلب الحالات في هذه المناطق، يُصبح ضعف البنية الصحّية عاملاً إضافياً يُسرّع انتشار العدوى.
انخفضت نسب التلقيح إلى قرابة 65% فقط بعد أن تجاوزت 90% سابقاً
تُحذّر خربة من الانعكاسات الوبائية المتكرّرة لتراجُع نسب التلقيح، والتي تتمثّل في عودة أمراض أُخرى في الجزائر سبق القضاء عليها؛ مثل "بوحمرون" (الحصبة) سنة 2018، و"الخُنّاق" (الدفتيريا) خلال السنوات الأخيرة، وشلل الأطفال خلال العام الجاري.
وتُرجع الدكتورة انخفاض نِسب التلقيح إلى عدّة أسباب؛ من بينها: عدم استكمال بعض الأولياء رزنامة التلقيح لأطفالهم، ونقص الوعي بخطورة الأمراض التي تعود للظهور عند انخفاض التغطية الوبائية، وانتشار إشاعات ومخاوف غير مبنيّة على أُسس علمية؛ مثل الزعم بتسبّب اللقاحات بأمراض المناعة الذاتية.
وتُضيف: "كلّما انخفضت التغطية اللقاحية، زادت القابلية لعودة الأمراض الوبائية وانتشارها بسرعة، خصوصاً تلك التي تنتقل بشكل صامت وتُظهر أعراضاً لدى نسبة صغيرة من المصابين. لذلك، يُصبح من الضروري تعزيز التوعية وتصحيح المعلومات المغلوطة والعمل على رفع نسبة التلقيح للحفاظ على الأمن الصحّي الوطني".
لقاحان
يتضمّن التطعيم ضدّ فيروس شلل الأطفال نوعَين من اللقاحات: فموي وحقني. وتقول الطبيبة نجاح خربة إنّ فهم دور كلٍّ منهما يتطلّب إدراك خصائص فيروس شلل الأطفال، الذي يدخل الجسم عبر الفم ويتكاثر في الأمعاء، قبل أن ينتقل، في بعض الحالات، إلى الجهاز العصبي.
وتُوضّح أنّ اللقاح الفموي يُقوّي المناعة الخلطية في جدار الأمعاء، ما يمنع تكاثر الفيروس وانتقاله إلى الآخرين، بينما يُعزّز اللقاح الحقني الذاكرة المناعية طويلة المدى في الدم، ليتمكّن الجسم من مواجهة الفيروس بسرعة وحماية الطفل من المضاعفات العصبية الخطيرة. وبذلك، يعمل اللقاحان معاً على حماية الفرد والمجتمع.
تراجعٌ حادّ في التغطية اللقاحية يستدعي استراتيجيةً مزدوجة لتعويض الفجوات المناعية
تؤكّد الطبيبة أنّ الجمع بين اللقاحين أصبح ضرورياً في هذه المرحلة لأسباب وبائية؛ فالفيروس المتداول حالياً من سلالة متحوّلة مشتقّة من اللقاح، تنتشر بسهولة عبر الجهاز الهضمي. وبينما لا يكفي التلقيح الفموي وحده لإنشاء ذاكرة مناعية قوية وطويلة الأمد، فإنّ التلقيح الحقني وحده لا يُوقف انتشار الفيروس عبر الأمعاء، وبالتالي لا يكسر السلسلة الوبائية.
إضافةً إلى ذلك، تلفت خربة إلى أنّ التراجع الحادّ في التغطية اللقاحية بالجزائر يتطلّب استراتيجيةً مزدوجة لتعويض الفجوات المناعية داخل المجتمع، لكي يحصل الأطفال على مناعة قوية داخل الأمعاء لمنع الانتشار، وفي الوقت نفسه على مناعة دموية تمنع ظهور الأعراض الخطيرة، وهو ما يُمثّل أفضل مقاربة علمية لكبح انتشار الفيروس في المرحلة الحالية.
مرضٌ مُخادع
حول أعراض المرض، تقول الطبيبة نجاح خربة إنّ شلل الأطفال مرضٌ مُخادع للغاية، فـ"أعراضَه الأُولى بسيطة جدّاً وتشبه أعراض الزكام العادي: ارتفاعٌ طفيف في الحرارة، وتعب عامّ، وآلام بسيطة في العضلات، أو اضطرابات هضمية".
وتضيف: "هذه الأعراض البسيطة تؤدّي إلى استبعاد الاشتباه المبكر في الإصابة، لأنّ الفيروس لا يُظهر علاماته الخطيرة إلّا عند دخوله الجهاز العصبي".
أمّا العلامة الفاصلة التي تُنبه إلى وجود إصابة، وفق المتحدّثة، فهي ظهور الشلل الحادّ، والذي يُصيب الساقين غالباً، لكنّه قد يمسّ أيضاً الذراعين، وعضلات التنفّس أو عضلات البلع. وعند وصول المرض إلى هذه المرحلة، يكون الفيروس قد أحدث ضرراً فعلياً غير قابل للعكس في الخلايا العصبية المسؤولة عن الحركة.
صعوبةٌ في الاشتباه المبكر بالإصابة بسبب شبه أعراضه الأُولى بأعراض الزكام
وتلفت خربة إلى أنّ شلل الأطفال لا علاج له بعد ظهور الشلل؛ فالخلايا العصبية المتضرّرة لا تتجدّد، والشلل يصبح دائماً في أغلب الحالات. وفي هذه المرحلة يقتصر البرتوكول العلاجي على: تخفيف الألم والالتهاب، والعلاج الفيزيائي لمنع التقلّصات العضلية، والمساعدة على التنفّس إذا تأثّرت العضلات التنفّسية، ودعم المريض نفسياً للتعايش مع الإعاقة الدائمة.
منعاً لكارثة وبائية
تُحذّر نجاح خربة من أنّ عدم الامتثال للتلقيح ستكون له عواقب وخيمة على القطاع الصحّي في الجزائر، لأنّ فيروس شلل الأطفال من أسرع الفيروسات انتشاراً، ويستغلّ أيّة فجوة لقاحية، مهما كانت صغيرة.
وتستشهد الطبيبة بما وقع في نيجيريا سنة 2003؛ فقد بدأت الأزمة هناك بثلاث حالات فقط من شلل الأطفال المتحوّر. وخلال أشهر قليلة، تحوّل الوضع إلى كارثة وبائية: انتشار واسع للفيروس في أكثر من 15 ولاية، وتسجيل مئات حالات الشلل الحادّ، وانتقال الفيروس إلى بلدان مجاورة.
هذا المثال يجب أن يكون بمثابة درس لبلدان أُخرى، وفق خربة التي تُضيف أنّ بإمكان عدد قليل جدّاً من الحالات إشعال وباء إذا لم يكن المجتمع محميّاً باللقاح. وكلّما تأخّر التلقيح، ارتفعت المخاطر على الأطفال وعلى النظام الصحّي الذي قد يجد نفسه أمام عبء لا يمكن السيطرة عليه.
بإمكان حالات محدودة جدّاً إشعال وباء إذا لم يكن المجتمع محميّاً باللقاح
وتُنهي الطبيبة نجاح خربة حديثها لـ"أصوات جزائرية" بأهمّ التوصيات للوقاية من شلل الأطفال، والتي تُحدّدها في الالتزام الصارم بالنظافة الشخصية والصحّة العامّة، لأنّها عامل حاسم يحدّ من انتقال الفيروس عبر الفم والجهاز الهضمي، خصوصاً عند الأطفال الصغار.
وتُضيف أنّ المناعة الجماعية التي تُبنى من خلال الحملات التلقيحية تُؤدّي دوراً إضافياً في حماية الفئات الأكثر ضعفاً، مثل الأطفال الذين يعانون من ضعف المناعة، أو مرضى السرطان، أو الذين لا يمكن تلقيحهم لأسباب صحية.
كما أنّ الجمع بين التطعيم الشامل والممارسات الصحية الجيّدة يُشكّل الدرع الأقوى ضدّ أيّ انتشار محتمل للفيروس، ويحافظ على سلامة المجتمع بأكمله.