دارت أحداث رواية "الجبل السحري"1 لتوماس مان2 في بدايات القرن العشرين بمدينة دافوس. لم تكن وقتها ذلك الاسم العالمي الذي نعرفه اليوم بفضل المنتدى الاقتصادي العالمي الذي تختضنه سنوياً فيزورها قادة السياسة والاقتصاد، بل مدينة لا تقدم سوى الاستشفاء، فقد صنعت أمجادها بفضل مجموعة من الفنادق- المصحات، مصطفّة في مواجهة جبال لا تذوب ثلوجها، صُمّمت لتحتضن أجسادًا أنهكها السلّ، وتوفّر لها هواءً نقيًا وزمنًا بطيئًا خارج إيقاع العالم السفلي.
كانت دافوس، في الرواية، وجهة المهندس المتخرج حديثاً هانس كاستروب، الذي قصدها سنة 1907 لزيارة ابن عمه خلال ثلاثة أشهر صيفية، لكنه لن يغادرها إلا بعد سبع سنوات، ليتجه منها مباشرة إلى ميادين الحرب العالمية الأولى. في دافوس تباطأ الزمن على كاستروب؛ إذ وجد نفسه بين نخبة غارقة في النقاشات الفكرية، بينما كانت أوروبا في الأسفل تغلي كمرجل عشية الحرب. شدّته الحوارات حول الليبرالية والتقدم والمستقبل، غير أن التاريخ عرف كيف ينتزعه منها حين دقّت طبول الحرب.
ولعلّ زيارة كاستروب تشبه، على نحوٍ مقلق، زيارات كثير من ضيوف المنتدى في أيامنا؛ فربما لن يغادروها هم أيضاً إلا في اتجاه حرب جديدة. ففي هذا العام، ينعقد المنتدى بينما الرئيس الأمريكي مصمّم على انتزاع جزيرة غرينلاند القطبية من الدنمارك، وبعد أسابيع قليلة فقط من اختطاف قوات أمريكية للرئيس الفنزويلي، يخطّط الرجل لبسط نفوذ مباشر على بنما. ولا تزال عدة ملفات غير محسومة من أوكرانيا إلى غزة. هل أن عالمنا اليوم على شفا حرب كبرى مثل العالم الذي صورته الرواية منذ قرن تقريباً؟ لقد أعد ترامب كل شيء ليكون كذلك.
لم تكن دافوس، بالنسبة إلى توماس مان، مجرّد خلفية للأحداث، بل رمزاً لإمكانية تعليق الحرب أو تأجيلها عبر الإبحار في النقاشات. فقد مثّلت الحوارات الفلسفية في النص فضاءً تُعلَّق فيه السياسة مؤقتاً، وكذلك كانت تعمل أسطورة دافوس بوصفها مدينة- ملاذاً للمرضى: مدينة غير مخترقة بالضجيج، محمية بالجبال، ومحصّنة بالثلوج.
تستضف دافوس قادة العالم عاماً بعد عام من دون أن يتغيّر شيء في السير الحثيث نحو الهاوية
غير أنّ هذا الدور خسرته دافوس، في طرفة عين. فخلال قرن واحد، تحوّلت من رمز للعزلة إلى بؤرة للضجيج؛ إذ صارت، منذ 1987 تحديداً، مع تأسيس المنتدى الاقتصادي العالمي فيها، مركزاً عالمياً للنقاش حول أكثر القضايا سجالية في العالم.
ربما كان ذلك الشكل الوحيد لبقائها على خريطة العالم. فقد تقدّم الطب، ولم يعد السلّ مرضاً مخيفاً، ما أفقد المصحّات الاستشفائية في دافوس جاذبيتها، وترك المدينة عرضة لنسيان بطيء. بهذا المعنى، يصبح الأكاديمي الألماني كلاوس شفاب، مؤسس المنتدى، مُنقذاً لدافوس؛ فقد ربطها بشبكة كثيفة من العلاقات الإدارية والسياسية والإعلامية، وأعاد إدراجها في التداول العالمي.
لم يكن اختيار دافوس اعتباطياً. فهي أعلى المدن الأوروبية، على ارتفاع يفوق 1500 متر عن سطح البحر، وما تزال رمزيتها في المخيال مرتبطة بالعزلة والابتعاد عن صخب المدن الكبرى، وذلك ما تحتاجه النخب التي تحب أن تفرّ من الاحتجاجات. بالنهاية، هي تقريباً العناصر نفسها التي جعلت من دافوس يوماً عاصمة للاستشفاء، وجعلتها لاحقاً مناسبة لتكون عاصمة للنقاشات الاقتصادية والتفكير في مستقبل البشرية.
لا قطيعة، إذن، بين دافوس- الرواية ودافوس- المنتدى: الرغبة نفسها في الابتعاد، والحاجة نفسها إلى العلوّ، وإلى النأي بالفكر قليلاً عن مسارات التاريخ وعنفه، وسيظل عند السفح متربصاً ليأخذ مجراه، وربما لن ينتظر نهاية النقاشات في دافوس كي يتحرك هنا أو هناك.
لم تختفِ دافوس بوصفها فضاءً للعلاج؛ لقد تحوّلت. وربما فعلت ذلك بالمعنى الكفكاوي. فالمدينة- المصحّة التي كانت تعالج الصدور المريضة، صارت تعرض نفسها كفضاء لمعالجة عالم مريض: مريض بالاقتصاد، بالمناخ، باختلال التوازنات، وبصعود منطق القوّة.
لكن هل عالجت أحاديث دافوس شيئاً في كوكبنا؟ ألم تستضف، عاماً بعد عام، قادة العالم، من دون أن يتغيّر شيء في السير الحثيث نحو الهاوية؟ في الواقع، لا تقول دافوس- المنتدى أكثر من أن العالم عبارة عن أزمة دائمة، تحتاج إلى تشخيص سنوي في مصحّة أعلى الجبل، فيما تظلّ الأمراض في مكانها، تختطف من ينزل.
لم يعد "الجبل السحري" مكاناً لتعليق الكارثة، بل شرفةً مُطلّة عليها.
وجه
باتريس لومومبا.. التصفية المبكرة للأحلام الأفريقية
كان الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا (1925- 1961) يمتلك مؤهّلات كثيرة لا تتلاءم مع المواصفات التي يريدها الغرب لحاكم في بلد أفريقي.