تنبع كتابات الشاعرة والمناضلة الجزائرية آنّا كوليت غريفوار، المعروفة باسم آنّا غريكي (1931 - 1966)، من تجارب عديدة؛ أبرزها السجن والمنفى ومقاومة الاستعمار. لكنّها تأتي أيضاً من الشغف والحب، ومن مرحلة ما بعد الاستقلال والحاجة الملحّة لإعادة التفكير في المخيال الوطني.
هذه التجربة تستعيدها أمسيةٌ تكريمية بعنوان "آنّا غريكي: 60 عاماً من ذاكرة على طرف اللسان"، تُقام عند السادسة من مساء الإثنين في فضاء "أرتيسيمو" بالجزائر العاصمة.
وقالت مؤسّسة أرتيسيتمو، في بيان، إنّ هذا التكريم هو بمثابة "فعل استعادة للصوت وإعادته إلى كلمة غمرها الصمت طويلاً، لكنها ظلّت حيّة، جاهزة لأن تُقال، وتُنقل، وتُبعث من جديد"، مضيفةً أن الشاعرة والمناضلة الراحلة "شخصيةٌ محورية كثيراً ما طواها النسيان في الذاكرة الأدبية والوطنية".
تتضمّن الأمسية قراءات موسيقية لقصائد الشاعرة باللغات الفرنسية والعربية والإنكليزية، وشهادات مسجّلة من ابنها لورون ملكي، وجعفر إينال؛ شقيق رفيق دربها سيد أحمد إينال، ومارين كورنيه؛ مترجمة قصائدها إلى الإنكليزية1، وأميَل ألكالاي الذي كتب مقدّمة الترجمة.
كما تتضمّن معرضاً للوثائق والكتب، وتوقيعات أربعة كُتب مهداة إليها؛ هي: "كلمات الحب.. كلمات الحرب"2 لعبد الرحمن جلفاوي، و"ذكريات في الدوّار"3 بتقديم نجاة خدّة، و"آنّا غريكي: بالكاد أعلى من الصمت"4 للميس سعيدي، إضافةً إلى كتاب لزهاري لبتر "آنّا غريكي: الحب وحرقة في القلب"5.
نضالات معاصرة
اقتُبس عنوان الأمسية التكريمية من قصيدة لآنا غريكي تضمّنتها مجموعتها الشعرية "أزمنة مشحونة"، التي نُشرت بعد رحيلها. وفيها تقول:
هنا وهناك، ماذا أفعل؟
هنا سيرتي الذاتية دائماً
على طرف لساني
وتحت جلدي، أوراق مزوّرة.
وتقول لميس سعيدي: "هذا التكريم هو دعوة لإعادة تفعيل كلمتها اليوم، في زمن تعود فيه قصائدها إلى التداول والترجمة، وتجد صدىً جديداً في الحوارات الأدبية والفكرية والجمالية والسياسية المعاصرة، من الجزائر إلى فرنسا، وصولاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية".
وتضيف: "تفتح ترجمة قصائدها، المكتوبة في ستينيات القرن الماضي، حيّزاً لكتابة مناهِضة للاستعمار والهيمنة والحرب والإبادة، في لغات أضعفت بروباغندا الحرب والعنصرية قدرتها على الخيال".
وأعادت الترجمة الحديثة لأعمالها في الولايات المتحدة الأمريكية إحياءَ الاهتمام في الأوساط الأكاديمية بالشاعرة الراحلة، لتُؤكد على حداثة كتاباتها وتناغمها مع النضالات المُعاصرة المناهضة للاستعمار، ولا سيما نضالات الشعب الفلسطيني.
في الشعر والثورة
وُلدت آنّا غريكي في مدينة باتنة لأبوين فرنسيَّين، وقضت طفولتها في منطقة منعة بالقرب من أريس؛ حيث تعلّمت العربية وعاشت ما عاشه الجزائريون من معاناة بسبب الاستعمار، قبل أن تنتقل إلى مدينة سكيكدة لتواصل دراستها الثانوية وتحصل على شهادة البكالوريا.
بعد ذلك، غادرت إلى باريس لدراسة الأدب في "جامعة السوربون"؛ وهناك تعرّفت إلى سيد أحمد إينال الذي كان طالباً في قسم التاريخ. ومع اندلاع الثورة التحريرية، قرّرا العودة معاً إلى الجزائر والالتحاق بالثورة، وهو خيار ستتعرّض بسببه إلى السجن والتعذيب والنفي.
كتبت قصائد ديوانها الأول "الجزائر، وعاصمتها الجزائر" في زنزانة بسجن سركاجي في الجزائر العاصمة. وقد صدر الديوان بعد الاستقلال، وتحديداً عام 1963.
كتب عالم الاجتماع الجزائري مصطفى الأشرف، في تقديمه للديوان، متحدّثاً عن قصائدها: "شعر الذكرى، لا شعر الحنين العاطفي الساذج، بل شعر الحنان القوي والسليم، والغضب المحفّز؛ هكذا يبدو لنا عمل هذه الشابّة التي عرفت التعذيب والسجن، ومع ذلك ظلّت نابضة بالصداقة والأمل. آنّا غريكي، ومن أجل متعتنا، تستعيد طفولةً ما تزال قريبة، ومن خلالها تستحضر الأرض الجزائرية التي تُحدّثنا عن حلاوتها اللاذعة. ففي الجزائر، ليست الرواية دائماً - باستثناء كاتب ياسين ومولود معمري - هي التي تكشف البلاد، بل شعر الشعراء الحقيقيّين".
كما شاركت في تأليف كتاب في النقد الفنّي رفقة الفنان التشكيلي محمد خدّة بعنوان "عناصر من أجل فنّ جديد"6.
رحلت آنا غريكي أثناء وضعها لمولودها في "مستشفى مصطفى باشا" بالجزائر العاصمة، وتركت ديواناً ثانياً بعنوان "أزمنة مشحونة" صدر بعد رحيلها، كما تركت العديد من المقالات والمساهمات في النقاش الوطني الأدبي والسياسي، والتي أعيد نشرها في كتاب "بالكاد أعلى من الصمت".
نصوص
لم يعد لديّ سوى بلد واحد في العالم
كلّ واحد يكتشف أمريكا الآن. أمّا أنا فلم يعد لديّ سوى بلد واحد في العالم. لأجوبه في الليل. الليل الناعم الذي يعذّب نفسه.