مساء أمس السبت، كانت الباحثة والأكاديمية الجزائرية، فاطمة أوصديق، على موعد مع قرّائها في "مكتبة الفنون الجميلة"1 بشارع ديدوش في الجزائر العاصمة، لتقديم كتابها الجديد "الهويات المتمردة: إعادة التفكير في التاريخ الخاص" في جلسة بيع بالتوقيع، لكنّها مُنعت من ذلك.
موضّحاً ما حدث، قال أرزقي آيت العربي، مدير "منشورات كوكو" التي أصدرت العمل، إن الشرطة تدخلت، عند الرابعة مساءً وأربعين دقيقة، لحجز الكتاب الذي "يمثّل ثمرة سنوات من الدراسات والأبحاث الميدانية حول تاريخ وسوسيولوجيا وادي مزاب"، وإغلاق المكتبة لمدة شهر، واصفاً ذلك بأنه "خطوة جديدة في الاعتداء على الحريات الأكاديمية والبحث العلمي وحقوق المواطنين في الثقافة".
خطوة "غير قانونية"
في بيان أصدره الأحد، أضاف آيت العربي أن المكتبة كانت قد شهدت "استعراضاً غير مألوف" يوم الخميس 16 أفريل، المصادف ليوم العلم في الجزائر؛ حيث "تعاقب أعوان شرطة بزي مدني، وموظفون من الضرائب ومديرية التجارة ووزارة الثقافة، على إصدار نفس الأمر: إلغاء حفل تقديم وتوقيع الكتاب، أو مواجهة إغلاق المؤسسة، قبل أن يعودوا صبيحة السبت للضغط مجدّداً على مسيّري المكتبة".
وتساءل صاحب الدار، التي تكرّر منعها من المشاركة في "صالون الجزائر الدولي للكتاب" خلال السنوات الأخيرة، عن أهداف "الجهات التي تقف وراء عملية غير مفهومة بقدر ما هي غير قانونية"، معتبراً أنّ ما حدث يمثّل "انتهاكاً لقوانين الجمهورية من قبل أولئك المكلفين بتطبيقها"؛ مستشهداً بالمادة 54 من الدستور التي تنص على أنه لا يمكن منع نشاط النشر إلّا بموجب قرار قضائي.
وأشار الصحافي والناشر الجزائري إلى أن داره دعمت قرار صاحب "مكتبة الفنون الجميلة" تأجيل جلسة تقديم الكتاب، وذلك "حرصاً منها على عدم تعريض بقاء فضاء ثقافي نادر - صمد أمام موجة الوجبات السريعة والملابس الجاهزة - للخطر"، في انتظار اتضاح الصورة بشأن ما وصفه بـ"التعبئة العامة ضد تقديم كتاب".
تحولات معاصرة
أصدرت فاطمة أوصديق (مواليد الجزائر العاصمة عام 1949)، وهي باحثة تدرّس علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في "جامعة الجزائر 2"، عدّة كتب ودراسات منشورة ضمن مجلّات فكرية وعلمية، تناولت فيها قضايا تتعلّق بالتاريخ، والاستعمار، والنسوية، والتعليم.
وفي كتابها "الهويات المتمرّدة: إعادة التفكير في التاريخ الشخصي" (2006)، تُضيء أوصديق على مجتمع وتاريخ منطقة وادي مزاب، من خلال استعراض "المسار الطويل لجماعة تشكّلت عبر المنفى، والإيمان، والتضامن، والانضباط الأخلاقي" واستحضار "نشأة الإباضية، والتجربة السياسية الرستمية، وتأسيس المدن الخمس، ثمّ التحوّل المفاجئ لغرداية إلى عاصمة ولاية، ومفترق طرق صحراوي يخضع اليوم لتدفقات الهجرة، والتحولات العمرانية، والتوترات الاجتماعية"، وفق ما نقرأ في تقديم الكتاب.
نقرأ من التقديم أيضاً: "لا يكتفي هذا الكتاب بالسرد التاريخي، بل يتناول الحاضر… ويتناول السياسي"، و"يرفض اختزال مزاب في صورة فولكلورية، ويعيد الاعتبار لأصوات السكان، ويكشف آليات الهيمنة الرمزية، ويُظهر كيف تحاول جماعة بشرية الحفاظ على إرثها في مواجهة تحولات معاصرة: تسارع التمدّن، الهشاشة الاجتماعية، الهجرة الداخلية، انعدام الأمن، وفقدان السيطرة على المجال".
وتظهر على غلاف الكتاب صورة لمدينة غرداية وفي الخلفية صور ثلاث شخصيات من المنطقة؛ هي الشيخ إبراهيم بيوض (1899 - 1981)، والشاعر والمناضل في الثورة الجزائرية مفدي زكريا (1908 - 1977)، والناشط السياسي كمال الدين فخار (1963 - 2019) الذي اعتُقل مع بداية الحراك الشعبي عام 2019 ومات في السجن بعد دخوله في إضراب عن الطعام.
مشهد
أحمد رضا حوحو يودّع "مكتبة الثقافة العربية"
مكتبةٌ جزائرية أُخرى تغلق أبوابها. هذه المرّة "مكتبة الثقافة العربية"، والسبب "ارتفاع ثمن الإيجار مقابل انخفاض مبيعات الكتب".