في 2009 أهدى الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز إلى نظيرة الأمريكي باراك أوباما نسخةً من كتاب "الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية" للكاتب الأوروغوياني إدواردو غاليانو. وفي 2026، هاهو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يهدي كتابه "فن الصفقة" لنظيره الكولومبي غوستافو بيترو.
الأوّل كتاب يروي تاريخ استغلال الإمبراطوريات الأوروبية ثمّ الولايات المتحدة لبلدان جنوب أمريكا، والثاني يحدّثنا عن "عبقرية" ترامب في عقد الصفقات، وما هي في المحصلة غير "عبقرية" في استغلال لحظة لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة.
في كلا الحالتين، يبدو الكتاب المهدى بين زعيمين رسالة سياسية قبل كل شيء. وفي حالة هدية ترامب بالذات تسقط كل صبغة ثقافية للكتاب؛ فهو أصلاً عمل أبعد ما يكون عن روح الثقافة، لم يُكتب بوصفه عملاً تأليفياً يجتهد صاحبه في نقل أفكاره وتقديمها للتداول، بل كان هو في حد ذاته صفقة مع محرّر يعيد صياغة كلامه وتوجّهاته العامّة، فأتى عملاً ترويجياً تمجيدياً لشخصية ترامب، أقرب إلى جنس السيرة الذاتية لولا أنّه بلا عمق، ولا نقف فيه سوى على فكرة وحيدة باعتماد منهج المصالح معياراً لأي قرار، وذلك ما طبّقه فعلاً في العلاقات الدولية منذ تولّيه الرئاسة بدءاً من 2016 ثمّ بشكل أكثر فجاجة مع ولايته الثانية عام 2025.
يقول ترامب ضمنياً وهو يهدي كتابه: هكذا أرى العالم وهكذا أُدير الأمور فاعرف كيف تفاوضني
ما بعد اختطاف مادورو في أوائل أيام عامنا هذا لم يعد العالم كما كان، ولذلك فإن "الهدية" لم تبتغ إلا أن تقول للرئيس الكولومبي، وغيره من الرؤساء، ما ينبغي أن يعرفه وهو يُعدّ خطّته التفاوضية حين يزور البيت الأبيض. كأنه يقول: اقرأ أوّلاً "فن الصفقة" ثم اجلس على طاولتنا. هذا القبول بمنطق الصفقة هو أساس وجودك وإلّا فلا حديث إلّا بمفردات القصف والخطف. ومن لا يفكّر داخل أفق الصفقة المقترحة فلا وجود له. هذه أوراق القوّة على الطاولة وضع نفسك تحت نظام الهيمنة الذي تريده.
من قبل كان كانت هدية تشافيز لأوباما إعلاناً عن موقف تحدّ معرفي وتاريخي، حين تهيّأ للجنوب أنّه امتلك اللحظة التي يقلب بها الطاولة على الاستعمار. بدت واشنطن في تلك اللحظة قابلة للنقاش، ربما بسبب لون بشرة أوباما، وقد تقبّلت الهدية باسمة، لكنها أضمرت أن تردّ الفعل ذات يوم، وها قد فعلت فصدعت بأنّها لا تقبل حديثاً إلّا وفق منظور "فنّ الصفقة".
بذلك يشبه الكتابان حركتي مدّ وجزر مترافقتين. أحدهما يدين الماضي من أجل تجازوه، فيما يعيد الثاني التأكيد على قواعد اللعبة ويريدها أن تستمر، لأنّ تلك القواعد بالذات هي التي تتيح له أن يضمن الخروج منتصراً في كل مرّة.
هكذا، لم تكن كلا الهديتين نصّاً محايداً، بل لم تكن الكتب ضمن هذا السياق نصوصاً بالمرّة؛ فهي لم تُسلَّم كي تُقرأ بل كي تبلّغ رسالة منذ عتبة العنوان. وليس صدفة أنّ كلا الكتابين صريح العنوان: فـ"الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية" عبارة هي في حد ذاتها بيان ثوري في نقد العلاقة بين الشمال والجنوب، بينما مقولة "فنّ الصفقة" - ويا لمصادفات اشتقاقات اللغة العربية - حمّالة لمعنى الصفاقة، كاشفة لما يُحرّك ترامب في إدارة الشركات أو علاقاته الشخصية، وقد تبيّن أنّه خارطة طريق لإدارة الولايات المتحدة والعالم.
يقول ترامب ضمنياً وهو يهدي كتابه: هكذا أرى العالم وهكذا أُدير الأمور فاعرف كيف تفاوضني.
راهن
دافوس.. في مصحة العالم قبل النزول إلى الحرب؟
هل عالمنا اليوم على شفا حرب كبرى مثل العالم الذي صورته رواية "الحبل السحري" منذ قرن تقريباً؟ لقد أعدّ ترامب كلّ شيء ليكون كذلك.