عاجل

صورة بحجم كامل

باتريس لومومبا.. التصفية المبكرة للأحلام الأفريقية

كان الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا (1925- 1961) يمتلك مؤهّلات كثيرة لا تتلاءم مع المواصفات التي يريدها الغرب لحاكم في بلد أفريقي.

07 جانفي 2026 | 17:23

باتريس لومومبا، 01 أوت 1960
باتريس لومومبا، 01 أوت 1960

تختزل منصّة واحدة تاريخ أفريقيا السياسي. الخميس 30 جوان 1960، حفل الإعلان عن استقلال الكونغو من الاستعمار البلجيكي. نسمع ثلاث خطب: يتحدّث بودوين الأول، ملك بلجيكا، عن أنّ الاستقلال منّة ملكية للشعب الكونغولي، يليه خطاب مقتضب لرئيس الجمهورية الوليدة، جوزيف كازافوبو، خصّصه لشكر الملك وبلجيكا على "ثقتهما" في الشعب الكونغولي، ثم، يأتي الدور على رئيس الحكومة باتريس لومومبا.

هل سيشارك في حفلة التزييف تلك؟ لم يرتبك الرجل أمام الهيبة الملكية، وقال بأنّ استقلال الكونغو لا معنى له من دون ندّية مع المستعمِر السابق، مؤكّداً بأنّ الاتفاق بين البلدين ليس منحة من الملك، بل هو نتيجة لنضال الشعب الكونغولي.

معنى الاستقلال

أغضبت كلمات لومومبا الملك بودوين، وأحرجت الرئيس كازافوبو. كان لومومبا يتحدّث عن المعنى العميق للاستقلال في حفل أُريد أن يكون ديكور تمثيلية تُفضي إلى استقلال سطحي وخفيف، يقوم على تسليم المناصب السياسية العليا للكونغوليّين، فيما تظلّ الإدارة والجيش ومفاتيح الاقتصاد في أيدي البلجيكيين.

بشكل حازم، وقف لومومبا ضدّ هذا الطرح خلال فترة تولّيه رئاسة الحكومة، والتي لم تستمرّ غير شهرين. كان يعلم أنّ قبول استقلال كهذا يعني أنّ مستقبل بلاده سيكون مثل ماضيها تماماً. لذلك، كان يُسابق الوقت لقلب الطاولة على البلجيكيّين.

لم تكن تلك أوّل معركة يواجه فيها باتريس لومومبا (1925 - 1961) ألاعيب المستعمِرين، فقد سبق وأن خاض مفاوضات الاستقلال عام 1959، والتي انطلقت على أساس فرضية مفادها أن بلجيكا راغبة في استقلال الكونغو ضمن وعي بما يدور في العالم، ومن هنا أتى مقترحها بأن تعهد ببعض المهمات الإدارية للكونغوليّين كتمرين يُفضي إلى استقلال تدريجي. مشروع كان سيستمرّ ثلاثين عاماً، غير أنّ لومومبا ورفاقه - مدعومين بضغط شعبي على الأرض - رفضوا هذا المقترح، فقدّمت بلجيكا عرضاً مختلفاً تماماً: إعلان استقلال الكونغو في ظرف ستّة أشهر.

بدا أنّ المعركة الحقيقية مع الاستعمار بدأت بعد الإعلان الرسمي عن الاستقلال

كانت مناورة جديدة سيعرف الزعيم الكونغولي خطورتها حين تسلَّم مقاليد إدارة بلاده في منتصف 1960، ليجد نفسه أمام فراغ هائل من الكوادر الوطنية، ومكرهاً بالتالي على التعامل مع المستعمِر السابق في كلّ كبيرة وصغيرة، فلم يجد لا الأدوات ولا الوقت لكي يمسك بمقاليد البلاد ويقودها إلى حيث تطلُّعات الشعب. وإضافةً إلى كلّ ذلك، أجهزت عليه المؤامرات والخيانات، فقد سرت نزعة انفصالية في عدّة أقاليم كان مضطراً لمقاومتها، وتواترت الإضرابات، وانفلت العنف في الشوارع.

بدا أنّ المعركة الحقيقية مع المستعمِر قد بدأت للتو، أي بعد الإعلان الرسمي للاستقلال، وكلّ ما كان قبل ذلك ليس سوى مناوشات خفيفة. من بين جميع طموحاته في بناء سيادة وطنية، نجح لومومبا في أمر وحيد، وهو انتزاع القوّات المسلّحة من يد البلجيكيّين بشكل قاطع. نظر من حوله فاختار ضابطاً شابّاً قائداً لأركان جيش الدولة الجديدة؛ جوزيف ديزيريه موبوتو. لم يعلم أنّ ما اعتبره أهمّ قرار سيادي كان بمثابة حفر لقبره بيده.

طعنة موبوتو

بعد أسابيع معدودة، سيحرّك موبوتو القوّات التي تحت إمرته ويستولي على الحكم تحت ذريعة إعادة النظام إلى الكونغو التي سيظلّ يحكمها (وقد غيّر في الأثناء اسمها إلى زائير) حتى عام 1997. ومع سقوطه، سنعرف أنّ الطعنة التي وجّهها إلى "أبيه الروحي" كانت بدعم مباشر من جهاز المخابرات الأميركية، ناهيك عن إيعازات الحكومة البلجيكية، وهذه الأخيرة كانت قد حرصت على توريط أميركا - وهي في قلب الحرب الباردة - في معركة الكونغو، من خلال التأكيد على ميولات لومومبا الشيوعية.

لعلّنا، عبر هذا الترابط، نرى بعض البناء المعقّد للماكينة العالمية الضخمة التي تقف وراء تصفية لومومبا. كان الزعيم الكونغولي يملك مؤهّلات كثيرة تثير مخاوف كلّ هؤلاء: شرعية سياسية، ومهارات في التفاوض، وتاريخ نضالي، وكاريزما، ومصارحة الشعب وقدرة على التأثير فيه، إلى جانب توجّهاته السيادية، وأفقه الواسع ضمن المحيط الأفريقي، وفهمه لتناقضات المشهد العالمي... وجميعها عناصر لا تتلاءم مع المواصفات التي يريدها الغرب لحاكم في بلد أفريقي.

لا يحبّ النظام العالمي أن يقود زعيم بلداً مثل الكونغو. إنه يحتاج إلى "وكيل" يسهر على مصالحه، يؤمّن حلقة ما في سلسلة معقّدة تصل عبرها المواد الأولية من جنوب العالم إلى شماله. لقد توفّر ذلك في موبوتو وأمّن هذا الدور لأكثر من ثلاثة عقود. أمّا خصال لومومبا فهي لا تتلاءم مع مشاريع القوى الاستعمارية في مواصلة نهب ثورات أفريقيا حتى بعد استقلال بلدانها. من هنا، كان اغتياله جريمةً ضرورية للمنظومة الرأسمالية.

لا يغيب عن أذهاننا عن أيّ بلد نتحدّث. الكونغو بمساحته الضخمة، وكثافته السكّانية المعتدلة، وأيضاً بموقعه الإستراتيجي في قلب القارّة؛ بحيث تلامس حدود تسع دول أُخرى تصغرها على مستوى الإمكانيات والتأثير.

راهن على المعنى العميق للاستقلال لا على الاتفاقيات المبرمة مع المستعمر السابق

ولهذا الموقع حكاية؛ فخلال "مؤتمر برلين" (1878) الذي عقدته الدول الاستعمارية لتقسيم أفريقيا، كانت القوى البحرية مثل فرنسا وبريطانيا قد انتزعت منذ النصف الأوّل من القرن التاسع معظم الأراضي الساحلية، فجرى الاتفاق على أن تكون القطعة الوسطى من القارة ملكاً شخصياً لـ ليوبولد الثاني، ملك بلجيكا، وحين رحل في 1909، ورّث "قطعة الأرض الكبيرة" التي "حازها" إلى الدولة البلجيكية، ليبدأ فقط حينها نظام الاستعمار بالمعنى المتعارف عليه.

سرعان ما انتبه البلجيكيون إلى "الكنز المطمور" الذي "ورثوه"؛ فأرض البلد تحتوي على ثروات باطنية هائلة من أثمن المعادن (الماس والذهب...)، إضافة إلى مُقوّمات أُخرى مثل توفّر المياه والطاقة، وعلى مساحات زراعية هائلة. هكذا تملك الكونغو - على الورق - مقوّمات دولة عظمى، لذا لا يمكن التفريط فيها بتركها لزعيم مثل لومومبا يمكن أن يجعل منها قاطرة لتحرّر الشعوب المقهورة وقلب موازين القوى في العالم بأسره.

قتل الحلم في مهده

بعد بضع سنوات من قتل لومومبا، كان إرنستو تشي غيفارا - بعد نهاية دوره في الثورة الكوبية - يبحث عن أرض جديدة يواجه فيها الإمبريالية. حين قرأ خارطة العالم، وجد أن الكونغو هي الموقع الأنسب لهذه الحرب، وقد توجّه إليها بالفعل عام 1965 مع مجموعة من مقاتليه. لكن مرةً أُخرى، تنشّطت الماكينة العالمية كي تضمن بقاء الكونغو تحت الأغلال. راهنت قوى الغرب جميعها على موبوتو مجدّداً، وأصبح هذا الرهان لعبة طويلة من الفساد والبذخ والدموية.

في فيلم بعنوان "لومومبا" (2000)، يستعمل المخرج الهايتي راؤول بيك إمكانيات الفن السينمائي ليشير إلى ذلك الارتباط - غير الواضح على مستوى الوقائع - بين تصفية لومومبا وقيام ديكتاتورية موبوتو. نتابع في آخر الفيلم اعتقال لومومبا خطوةً بخطوة، ثمّ اقتياده إلى المكان الذي ستجري تصفيته فيه. ومع استعداد الجنود لإطلاق الرصاص، يقطع بيك اللقطة لنشاهد الاحتفالات بتنصيب موبوتو.

لنا أن نفهم إذن: لم تكن صدفة أن تُبتلى معظم البلدان الخارجة من الاستعمار في نفس تلك الفترة بحكّام فاسدين ومستبدّين، ومجانين أحياناً. لقد سارعت القوى الاستعمارية لقتل إمكانية تبلوُر زعامة وطنية تحرّك الشعب نحو أهداف نبيلة، ولا مجال حتى للتجربة. إمّا نموذج الحاكم المطواع مثل كازافوبو، أو نموذج الطاغية مثل موبوتو. أمّا نموذج لومومبا فغير مسموح به. لا بدّ من قتل الحلم وهو في المهد.

اقرأ أيضاًعبد الرحمن منيف في عشر روايات.. قِطَع مرآة لفهم هزائمنا

ورق قديم

عبد الرحمن منيف في عشر روايات.. قِطَع مرآة لفهم هزائمنا

ظلّ مشروع عبد الرحمن منيف الإبداعي، على مسافة تقترب من عشرين عاماً من رحيله، يشغل الناس، ذلك أنه كان يخاطبهم بوضوح ولا يزال.

شوقي بن حسن
شوقي بن حسن كاتب وصحافي من تونس

ذات صلة

كيف تفاعل الإعلام الكونغولي مع لقطة عمورة أمام "لومومبا فيا"؟

راهن

كيف تفاعل الإعلام الكونغولي مع لقطة عمورة أمام "لومومبا فيا"؟

الجزائر في اختبار حاسم أمام الكونغو الديمقراطية

كرة قدم

الجزائر في اختبار حاسم أمام الكونغو الديمقراطية

غينيا: الناخبون يصوتون في انتخابات رئاسية يُتوقع أن ترسخ حكم دومبويا

راهن - أفريقيا

غينيا: الناخبون يصوتون في انتخابات رئاسية يُتوقع أن ترسخ حكم دومبويا

نيجيريا: إطلاق سراح بقية الطلبة المخطوفين من مدرسة كاثوليكية

راهن - أفريقيا

نيجيريا: إطلاق سراح بقية الطلبة المخطوفين من مدرسة كاثوليكية

باتريس لومومبا.. التصفية المبكرة للأحلام الأفريقية

كان الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا (1925- 1961) يمتلك مؤهّلات كثيرة لا تتلاءم مع المواصفات التي يريدها الغرب لحاكم في بلد أفريقي.
باتريس لومومبا، 01 أوت 1960
باتريس لومومبا، 01 أوت 1960

تختزل منصّة واحدة تاريخ أفريقيا السياسي. الخميس 30 جوان 1960، حفل الإعلان عن استقلال الكونغو من الاستعمار البلجيكي. نسمع ثلاث خطب: يتحدّث بودوين الأول، ملك بلجيكا، عن أنّ الاستقلال منّة ملكية للشعب الكونغولي، يليه خطاب مقتضب لرئيس الجمهورية الوليدة، جوزيف كازافوبو، خصّصه لشكر الملك وبلجيكا على "ثقتهما" في الشعب الكونغولي، ثم، يأتي الدور على رئيس الحكومة باتريس لومومبا.

هل سيشارك في حفلة التزييف تلك؟ لم يرتبك الرجل أمام الهيبة الملكية، وقال بأنّ استقلال الكونغو لا معنى له من دون ندّية مع المستعمِر السابق، مؤكّداً بأنّ الاتفاق بين البلدين ليس منحة من الملك، بل هو نتيجة لنضال الشعب الكونغولي.

معنى الاستقلال

أغضبت كلمات لومومبا الملك بودوين، وأحرجت الرئيس كازافوبو. كان لومومبا يتحدّث عن المعنى العميق للاستقلال في حفل أُريد أن يكون ديكور تمثيلية تُفضي إلى استقلال سطحي وخفيف، يقوم على تسليم المناصب السياسية العليا للكونغوليّين، فيما تظلّ الإدارة والجيش ومفاتيح الاقتصاد في أيدي البلجيكيين.

بشكل حازم، وقف لومومبا ضدّ هذا الطرح خلال فترة تولّيه رئاسة الحكومة، والتي لم تستمرّ غير شهرين. كان يعلم أنّ قبول استقلال كهذا يعني أنّ مستقبل بلاده سيكون مثل ماضيها تماماً. لذلك، كان يُسابق الوقت لقلب الطاولة على البلجيكيّين.

لم تكن تلك أوّل معركة يواجه فيها باتريس لومومبا (1925 - 1961) ألاعيب المستعمِرين، فقد سبق وأن خاض مفاوضات الاستقلال عام 1959، والتي انطلقت على أساس فرضية مفادها أن بلجيكا راغبة في استقلال الكونغو ضمن وعي بما يدور في العالم، ومن هنا أتى مقترحها بأن تعهد ببعض المهمات الإدارية للكونغوليّين كتمرين يُفضي إلى استقلال تدريجي. مشروع كان سيستمرّ ثلاثين عاماً، غير أنّ لومومبا ورفاقه - مدعومين بضغط شعبي على الأرض - رفضوا هذا المقترح، فقدّمت بلجيكا عرضاً مختلفاً تماماً: إعلان استقلال الكونغو في ظرف ستّة أشهر.

بدا أنّ المعركة الحقيقية مع الاستعمار بدأت بعد الإعلان الرسمي عن الاستقلال

كانت مناورة جديدة سيعرف الزعيم الكونغولي خطورتها حين تسلَّم مقاليد إدارة بلاده في منتصف 1960، ليجد نفسه أمام فراغ هائل من الكوادر الوطنية، ومكرهاً بالتالي على التعامل مع المستعمِر السابق في كلّ كبيرة وصغيرة، فلم يجد لا الأدوات ولا الوقت لكي يمسك بمقاليد البلاد ويقودها إلى حيث تطلُّعات الشعب. وإضافةً إلى كلّ ذلك، أجهزت عليه المؤامرات والخيانات، فقد سرت نزعة انفصالية في عدّة أقاليم كان مضطراً لمقاومتها، وتواترت الإضرابات، وانفلت العنف في الشوارع.

بدا أنّ المعركة الحقيقية مع المستعمِر قد بدأت للتو، أي بعد الإعلان الرسمي للاستقلال، وكلّ ما كان قبل ذلك ليس سوى مناوشات خفيفة. من بين جميع طموحاته في بناء سيادة وطنية، نجح لومومبا في أمر وحيد، وهو انتزاع القوّات المسلّحة من يد البلجيكيّين بشكل قاطع. نظر من حوله فاختار ضابطاً شابّاً قائداً لأركان جيش الدولة الجديدة؛ جوزيف ديزيريه موبوتو. لم يعلم أنّ ما اعتبره أهمّ قرار سيادي كان بمثابة حفر لقبره بيده.

طعنة موبوتو

بعد أسابيع معدودة، سيحرّك موبوتو القوّات التي تحت إمرته ويستولي على الحكم تحت ذريعة إعادة النظام إلى الكونغو التي سيظلّ يحكمها (وقد غيّر في الأثناء اسمها إلى زائير) حتى عام 1997. ومع سقوطه، سنعرف أنّ الطعنة التي وجّهها إلى "أبيه الروحي" كانت بدعم مباشر من جهاز المخابرات الأميركية، ناهيك عن إيعازات الحكومة البلجيكية، وهذه الأخيرة كانت قد حرصت على توريط أميركا - وهي في قلب الحرب الباردة - في معركة الكونغو، من خلال التأكيد على ميولات لومومبا الشيوعية.

لعلّنا، عبر هذا الترابط، نرى بعض البناء المعقّد للماكينة العالمية الضخمة التي تقف وراء تصفية لومومبا. كان الزعيم الكونغولي يملك مؤهّلات كثيرة تثير مخاوف كلّ هؤلاء: شرعية سياسية، ومهارات في التفاوض، وتاريخ نضالي، وكاريزما، ومصارحة الشعب وقدرة على التأثير فيه، إلى جانب توجّهاته السيادية، وأفقه الواسع ضمن المحيط الأفريقي، وفهمه لتناقضات المشهد العالمي... وجميعها عناصر لا تتلاءم مع المواصفات التي يريدها الغرب لحاكم في بلد أفريقي.

لا يحبّ النظام العالمي أن يقود زعيم بلداً مثل الكونغو. إنه يحتاج إلى "وكيل" يسهر على مصالحه، يؤمّن حلقة ما في سلسلة معقّدة تصل عبرها المواد الأولية من جنوب العالم إلى شماله. لقد توفّر ذلك في موبوتو وأمّن هذا الدور لأكثر من ثلاثة عقود. أمّا خصال لومومبا فهي لا تتلاءم مع مشاريع القوى الاستعمارية في مواصلة نهب ثورات أفريقيا حتى بعد استقلال بلدانها. من هنا، كان اغتياله جريمةً ضرورية للمنظومة الرأسمالية.

لا يغيب عن أذهاننا عن أيّ بلد نتحدّث. الكونغو بمساحته الضخمة، وكثافته السكّانية المعتدلة، وأيضاً بموقعه الإستراتيجي في قلب القارّة؛ بحيث تلامس حدود تسع دول أُخرى تصغرها على مستوى الإمكانيات والتأثير.

راهن على المعنى العميق للاستقلال لا على الاتفاقيات المبرمة مع المستعمر السابق

ولهذا الموقع حكاية؛ فخلال "مؤتمر برلين" (1878) الذي عقدته الدول الاستعمارية لتقسيم أفريقيا، كانت القوى البحرية مثل فرنسا وبريطانيا قد انتزعت منذ النصف الأوّل من القرن التاسع معظم الأراضي الساحلية، فجرى الاتفاق على أن تكون القطعة الوسطى من القارة ملكاً شخصياً لـ ليوبولد الثاني، ملك بلجيكا، وحين رحل في 1909، ورّث "قطعة الأرض الكبيرة" التي "حازها" إلى الدولة البلجيكية، ليبدأ فقط حينها نظام الاستعمار بالمعنى المتعارف عليه.

سرعان ما انتبه البلجيكيون إلى "الكنز المطمور" الذي "ورثوه"؛ فأرض البلد تحتوي على ثروات باطنية هائلة من أثمن المعادن (الماس والذهب...)، إضافة إلى مُقوّمات أُخرى مثل توفّر المياه والطاقة، وعلى مساحات زراعية هائلة. هكذا تملك الكونغو - على الورق - مقوّمات دولة عظمى، لذا لا يمكن التفريط فيها بتركها لزعيم مثل لومومبا يمكن أن يجعل منها قاطرة لتحرّر الشعوب المقهورة وقلب موازين القوى في العالم بأسره.

قتل الحلم في مهده

بعد بضع سنوات من قتل لومومبا، كان إرنستو تشي غيفارا - بعد نهاية دوره في الثورة الكوبية - يبحث عن أرض جديدة يواجه فيها الإمبريالية. حين قرأ خارطة العالم، وجد أن الكونغو هي الموقع الأنسب لهذه الحرب، وقد توجّه إليها بالفعل عام 1965 مع مجموعة من مقاتليه. لكن مرةً أُخرى، تنشّطت الماكينة العالمية كي تضمن بقاء الكونغو تحت الأغلال. راهنت قوى الغرب جميعها على موبوتو مجدّداً، وأصبح هذا الرهان لعبة طويلة من الفساد والبذخ والدموية.

في فيلم بعنوان "لومومبا" (2000)، يستعمل المخرج الهايتي راؤول بيك إمكانيات الفن السينمائي ليشير إلى ذلك الارتباط - غير الواضح على مستوى الوقائع - بين تصفية لومومبا وقيام ديكتاتورية موبوتو. نتابع في آخر الفيلم اعتقال لومومبا خطوةً بخطوة، ثمّ اقتياده إلى المكان الذي ستجري تصفيته فيه. ومع استعداد الجنود لإطلاق الرصاص، يقطع بيك اللقطة لنشاهد الاحتفالات بتنصيب موبوتو.

لنا أن نفهم إذن: لم تكن صدفة أن تُبتلى معظم البلدان الخارجة من الاستعمار في نفس تلك الفترة بحكّام فاسدين ومستبدّين، ومجانين أحياناً. لقد سارعت القوى الاستعمارية لقتل إمكانية تبلوُر زعامة وطنية تحرّك الشعب نحو أهداف نبيلة، ولا مجال حتى للتجربة. إمّا نموذج الحاكم المطواع مثل كازافوبو، أو نموذج الطاغية مثل موبوتو. أمّا نموذج لومومبا فغير مسموح به. لا بدّ من قتل الحلم وهو في المهد.

اقرأ أيضاًعبد الرحمن منيف في عشر روايات.. قِطَع مرآة لفهم هزائمنا

ورق قديم

عبد الرحمن منيف في عشر روايات.. قِطَع مرآة لفهم هزائمنا

ظلّ مشروع عبد الرحمن منيف الإبداعي، على مسافة تقترب من عشرين عاماً من رحيله، يشغل الناس، ذلك أنه كان يخاطبهم بوضوح ولا يزال.

شوقي بن حسن
شوقي بن حسن كاتب وصحافي من تونس

المزيد من وجه

  • آنّا غريكي.. استعادةٌ في ذكرى رحيلها الستين
    وجه - الجزائر

    آنّا غريكي.. استعادةٌ في ذكرى رحيلها الستين

    تجربة الشاعرة والمناضلة الجزائرية آنّا غريكي تستعيدها أمسية تكريمية تُقام مساء الإثنين في فضاء "أرتيسيمو" بالجزائر العاصمة.

    05 فيفري 2026

  • تهدف إلى "صد تأثير ترمب".. جزائرية مرشحة لعضوية هيئة فرنسية عليا
    وجه - فرنسا

    فنانة جزائرية مرشحة لعضوية هيئة فرنسية عليا

    يبرز اسم الفنانة من أصول جزائرية، آمال بنت، ضمن أبرز المرشحين لعضوية "الهيئة الفرنسية العليا للتنوع والجاليات من أصول أجنبية".

    12 جانفي 2026

  • رحيل محمد حربي.. الثورة الجزائرية خارج التاريخ الرسمي
    وجه - الجزائر

    محمد حربي.. الثورة الجزائرية خارج التاريخ الرسمي

    ظل المؤرخ الراحل محمد حربي ملتزماً بتوجّهه اليساري، كما بخياراته العلمية في التفسير المادي للتاريخ، مفضّلاً فهمه ونقده بدل تمجيده.

    03 جانفي 2026