أبدت وسائل الإعلام الرئيسية في الكونغو الديمقراطية اهتماماً أقلّ بكثير من ذلك الذي خصّصته وسائل إعلام عربية لحركة اللاعب الجزائري محمّد الأمين عمورة أمام المشجّع الكونغولي ميشيل كوكا، الذي وقف صامتاً وبلا حراك طيلة مباريات منتخب بلاده في "كأس الأمم الأفريقية" 2025 بالمغرب، في محاكاة لتمثال الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا (1925 - 1961) بكينشاسا.
وبعد فوز المنتخب الجزائري (1 - 0) مع اقتراب نهاية الوقت الإضافي من المباراة التي جمعته بمنتخب الكونغو الديمقراطية، الثلاثاء، ضمن دور الـ16 من البطولة الأفريقية، توجَّه لاعب "فولفسبورغ" الألماني إلى الجمهور الكونغولي رافعاً يده إلى الأعلى قبل أن يستلقي أرضاً، في حركةٍ فُهم منها أنّها دعوةٌ للمشجّع المعروف باسم "لومومبا فيا" إلى الراحة بعد خروج منتخب بلاده من المنافسة.
وبينما استُغلّت حركة عمورة من معلقّين، خصوصاً من المغرب الذي يجمعه تاريخٌ طويل من الخلافات مع الجزائر أدّت إلى إعلان الأخيرة قطع علاقاته الدبلوماسية معه عام 2021، لمهاجمة اللاعب والجزائريّين، باعتبار الحركة "سخريةً من أحد رموز الكونغو الديمقراطية"، رأى معلّقون كونغوليين، على مواقع التواصل الاجتماعي، في ما حدث مجرّد "حادثة طريفة" لا تحمل أيّة إساءة لرمزهم الوطني، بل إنّ كثيراً منهم عبّروا عن تشجيعهم للمنتخب الجزائري في مبارياته المقبلة ضمن البطولة الأفريقية، خصوصاً بعد تقديم عمورة اعتذاراً للمشجّع الكونغولي، والذي كرّمته "الاتحادية الجزائرية لكرة القدم" بدورها، وأهدته قميصاً للمنتخب الجزائري يحمل اسم لومومبا.
من جهتها، لم تُفرد وسائل الإعلام الكونغولية مساحات كبيرة لحركة عمورة، ولم تتطرّق إليها إلّا في سياق اعتذار اللاعب وتكريم الاتحادية الجزائرية للمشجّع الكونغولي.
تقديرٌ متبادل بين شعبَين أفريقيَّين
في هذا السياق، توقفّ موقع 7sur7، أحد أبرز المواقع الإخبارية في الكونغو الديمقراطية، عند تكريم "الاتحادية الجزائرية لكرة القدم" للمُناصر الكونغولي، واصفاً ذلك بـ"المبادرة الرمزية القوية" التي تعكس "التقدير المتبادل بين شعبين أفريقيين"، كما تعكس "اعترافاً بمشجّع يحمل في سلوكه وأيقونته تجسيداً لذاكرة تاريخية لكلّ من الكونغو الديمقراطية وأفريقيا، من خلال شخصية باتريس لومومبا، الزعيم التاريخي لحركة الاستقلال الكونغولية".
وأشار إلى أنّ لاعبي "الخُضر" عبّروا عن رغبتهم في لقاء المشجّع شخصياً، مضيفاً أنّ مبادرتهم تهدف "إلى التعبير عن احترامهم له، وشكره على التأثير العاطفي الذي أحدثه خلال المنافسة، ومشاركة لحظات أخوية تتجاوز إطار المنافسات الرياضية".
وذكر الموقع أنّ ميشيل كوكا مبولادينغا، الذي يُعرف باسم "لومومبا فيا"، أصبح "شخصيةً بارزة في البطولة بفضل وقوفه الثابت والصامت في المدرّجات طوال المباريات، في إشارة إلى تمثال باتريس لومومبا في كينشاسا، الذي يرمز إلى قيم الكرامة والحرية والسيادة الوطنية".
المبادرة نفسُها، تناولتها وكالة الأنباء الرسمية في الكونغو الديمقراطية، والتي قالت إنّ "الاتحادية الجزائرية لكرة القدم" تحرّكت "لإطفاء التوتّر" وتقديم اعتذار رسمي، بعد الجدل الواسع الذي أثارته حركة محمد الأمين عمورة، عقب إقصاء منتخب "الفهود" من "كأس أمم أفريقيا" 2025، في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
ونقلت وكالة الأنباء الكونغولية عن سعيد فلاك، مدير الاتصال في الاتحادية الجزائرية، قوله إنّ الأخيرة، "وباسم الجزائر، تُقدّم اعتذارها إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية عمّا حدث بخصوص مشجّعها ميشيل كوكا".
بلا تضخيم
من جهته، نشر موقع actualité خبراً عن اعتذار محمد الأمين عمورة من "لومومبا فيا"، وقال إنّ المهاجم الجزائري أوضح، في رسالةٍ نشرها على حسابه في إنستغرام، أنّه لم يكُن على دراية بالدلالة الرمزية التي يُجسّدها المشجّع الكونغولي.
ونقل الموقع عن عمورة قوله: "مباراة الكونغو كانت مباراة كبيرة، شديدة التنافس، سادها الكثير من التوتّر والعاطفة فوق أرضية الميدان. أودّ أن أُوضّح أمراً: في تلك اللحظة، لم أكن على علم بما تُمثّله تلك الشخصية أو الرمز الموجود في المدرّجات".
وذكر الموقع أنّ عمورة أكّد أنّه كان يقصد "المزاح بروح رياضية وبنوايا حسنة"، ومن دون أيّة نية للإساءة، وأضاف: "أحترم الكونغو ومنتخبها. بصراحة، أتمنّى لهم كل التوفيق، وأرجو أن ينجحوا في التأهّل إلى كأس العالم. وإذا أُسيء فهم تصرّفي، فإنّني أعتذر عن ذلك بصدق".
وكغيره من وسائل الإعلام الرئيسية في الكونغو الديمقراطية، لم يُخصّص actualité أيّ خبر لحركة عمّورة، بل إنّه لم يتطرّق إليها إلّا في سياق اعتذار اللاعب. كما أنّه لم يُعلّق عليها، مكتفياً بالقول إنّها "وُصفت بالاستفزازية"، وأنّ "كثيرين فسّروها على أنّها سخرية من المُشجّع الذي ظلّ واقفاً دون حركة طيلة أطوار اللقاء".
دموع التمثال الحي
وتحت عنوان "دموع التمثال الحي للومومبا بعد إقصاء جمهورية الكونغو الديمقراطية"، خصّص التلفزيون الرسمي الكونغولي مقالاً مطوّلاً، نشره على موقعه الإلكتروني، تناول فيه خروج "الفهود" من البطولة الأفريقية وتأثُّر ميشيل كوكا الذي "انهمرت الدموع على وجهه عند صافرة نهاية المباراة".
وكتب الموقع: "جميع الأنظار كانت موجَّهة إليه؛ فهذا الرجل، الذي ظلّ ثابتاً من دون حركة طوال مباريات منتخب الكونغو الديمقراطية، طبع النسخة الخامسة والثلاثين من كأس أفريقيا"، و"قد حظي بحضور لافت في وسائل الإعلام، إلى غاية الثلاثاء، حين انتهى مشوار الكونغو الديمقراطية بشكل قاسٍ في الدور ثمن النهائي، بعد إقصاء الفهود إثر الوقت الإضافي (1-0)، في نهاية مشحونة بالتشويق".
ومن غير تضخيمها أو إخراجها عن سياقها، تطرّق التلفزيون الكونغولي إلى حركة عمورة، قائلاً: "خلال احتفاله بالفوز، قام اللاعب الجزائري محمد الأمين عمورة بتقليد وقفة المشجّع المتقمّص هيئة التمثال، قبل أن يستلقي على أرضية الميدان، في إشارة فُهم منها أنّه يدعوه إلى الراحة بعد انتهاء مهمّته".
ونقل الموقع آراء عدد من المشجّعين حول المُناصر الكونغولي؛ من بينهم سفيان ميجو، وهو مدير أعمال فرنسي جزائري يبلغ 40 عاماً، قال إنّ "هذا المشجع كان سفيراً لمنتخب بلاده، وأسهم في تسليط الضوء على المشجّعين وعلى الكونغو".
وذكر الموقع أنّ ميشيل كوكا و"كما في المباريات السابقة، استلهمت هيئتُه مظهرَ تمثال أحادي اللون لباتريس لومومبا، الذي شغل منصب رئيس وزراء الكونغو لبضعة أشهر عام 1960، والمقام على ضريحه المصنوع من الخرسانة والزجاج في كينشاسا، عاصمة البلاد".
واستعاد الموقع، أيضاً، تجربة لومومبا النضالية، قائلاً إنّ خطاباً نارياً ضدّ عنصرية المستعمرين البلجيكيين هو الذي أدخل باتريس لومومبا التاريخ، يوم 30 جوان 1960، تاريخ إعلان استقلال الكونغو. ذلك الخطاب نفسه حسم مصير هذا القومي الذي وُصف بالشيوعي من قبل خصومه؛ فبعد 75 يوماً فقط في الحكم، أُطيح به واغتيل يوم 17 جانفي 1961 في شيلياتيمبو، بإقليم كاتانغا العليا، على يد انفصاليين كاتانغيين ومرتزقة بلجيكيين.
وأضاف: "أُذيب جسده في الحمض ولم يُعثر عليه أبداً. ولم تمرّ إلّا عقود طويلة قبل اكتشاف أن بقايا بشرية احتُفظ بها في بلجيكا، من بينها سنّ. وتظلّ هذه القضية واحدة من أحلك صفحات العلاقات بين بلجيكا ومستعمرتها السابقة".
وجه
باتريس لومومبا.. التصفية المبكرة للأحلام الأفريقية
كان الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا (1925- 1961) يمتلك مؤهّلات كثيرة لا تتلاءم مع المواصفات التي يريدها الغرب لحاكم في بلد أفريقي.