ندّد سينمائيون جزائريون بمنع عرض فيلم "العربي" للمُخرج مالك بن سماعيل ضمن "مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي" بذريعة "عدم حصوله على تأشيرة ثقافية".
وفي بيان بعنوان "لا للرقابة... السينما حرية أو لا تكون"، أصدروه بالتزامن مع انطلاق الدورة السادسة من "عنابة للفيلم المتوسطي" الجمعة، أشار عددٌ من المخرجين والمنتجين والممثّلين والمشتغلين في قطاع السينما بالجزائر إلى أن قرار إلغاء العرض الذي كان مقرّراً ضمن فعاليات المهرجان، اتُّخذ من دون إصدار بيان أو تفسير شفّاف أو مبرّر مقنع، مُعتبرين أن "هذه الضبابية في اتخاذ القرارات من خلف الستار لا تخدم السينما ولا الثقافة بصفة عامّة".
وشدّد هؤلاء على أنّه لا يوجد مبرّر لإقصاء الفيلم من العرض، وأنّه لا يمكن التذرّع بأي حجّة لفرض الرقابة عليه، مطالبين بإعادته إلى "مكانه الطبيعي ضمن البرنامج المسطّر سلفاً".
ضدّ القيود التعسفية
ودعا الموقّعون على البيان إلى رفع ما سمّوها "القيود التعسفية" التي قالوا إنها تعيق عرض الأعمال السينمائية وتوزيعها، واحترام استقلالية المهرجانات في تسطير برامجها واختياراتها الفنّية، ومراجعة نظام تأشيرة العرض الثقافي "لضمان ألّا يتحوّل إلى أداة لعرقلة تداول الأفلام".
كما دعوا إلى إصلاح هيئات الاختيار واللجان على أسس ترتكز على الكفاءة والشفافية، وإعادة النظر جذرياً في الإطار القانوني المنظّم للقطاع بما يخدم مرافقة الإبداع لا تقييده، وفتح حوار بنّاء بين مهنيّي السينما والسلطات المعنية بالقطاع.
تاريخ من المنع
أشار الموقّعون على البيان إلى أن "العربي" ليس حالة استثنائية؛ حيث سبقته عدّة أفلام لمخرجين جزائريين مُنعت من العرض في قاعات ومهرجانات مختلفة، تحت ذرائع متعدّدة ومن دون أي توضيح رسمي.
وذكّروا بمجموعة من الأفلام التي قالوا إنها تعرّضت للرقابة ولعراقيل مختلفة؛ من بينها "بركات" لجميلة صحراوي، و"بن مهيدي" لبشير درايس، و"سلطات مضادّة" و"الصين لا تزال بعيدة" و"اللعبة الكبرى" لمالك بن سماعيل، و"ديليس بالوما" و"حريم السيدة عصمان" لنذير مخناش، و"الشيطان في صورة امرأة" لحفصة زيناي قديل، و"الرفيق الأخير" لأمين قابس، و"الملكة الأخيرة" لداميان أونوري وعديلة بن ديمراد، و"الجزائر ليلاً" ليانيس كوسيم، و"المحو" لكريم موساوي، و"شذرات أحلام" لبهية بن شيخ لفڤون، و"جانيتو" لأمين حتو، و"باييشا" لمونيا مدور، و"بابيلون قسنطينة" و"المحطة 60" لسيد أحمد سميان، و"تصويت ممنوع" لفيصل حموم.
الذهنية التي تمنع الأفلام اليوم هي من صاغت قانون السينما الذي يُجرّم السينمائي ويُهدّده بالسجن
واعتبر السينمائيون أن "هذا النمط المتكرّر يكشف أن المسألة ليست إجراءً إدارياً عارضاً، بل سياسة ممنهجة تُضيِّق على الإبداع السينمائي الجزائري"، لافتين إلى أن "نفس الذهنية التي تمنع الأفلام اليوم هي من صاغت قانون السينما الذي ندّدنا به في حينه، والذي يُجرّم السينمائي ويُهدّده بالسجن. فالأفكار واحدة، وإن تعدّدت الأدوات".
السينما ليست تهديداً
نقرأ في البيان بأنّ "التاريخ دائماً ما يُنصف السينما المظلومة أو المُهانة، بينما يقيّد أسماءَ الموقّعين على قرارات المنع في سجلات التعسّف ويدينهم". يستشهد السينمائيون الموقّعون، في هذا السياق، بفيلم "تحيا يا ديدو" لمحمد زينات، الذي "عرف سنوات طويلة من الإقصاء قبل أن يتحوّل إلى أيقونة سينمائية يُحتفى بها كرمز للتراث الوطني".
ويضيف هؤلاء بأنّ "منع عرض فيلم لا يحرم العمل من الظهور فحسب، بل يُقيّد أيضاً حقّ الجمهور في الوصول إلى أفلامه، والتعرّف على نفسه فيها، ومناقشتها بكل حرية"، مشدّدين على أنّ "الفيلم ليس تهديداً يجب احتواؤه، بل هو تعبير فنّي يُغذّي الحوار والتفكير، وبهذا المعنى، لا يمكن للتنظيم الإداري أن يحلّ محلّ النقد والنقاش".
تناقض
ثمّة، بالنسبة إلى الموقّعين على البيان، تناقضٌ بين خطاب السلطة وممارساتها؛ فـ"الخطابات الداعية إلى إحياء السينما الجزائرية تجد صعوبة في تجسيدها ميدانياً أمام تزايد العراقيل الإدارية وغموض آليات الدعم"، و"الدعوات إلى إرساء صناعة سينمائية ستظلّ مجرّد أمنيات طالما استشرت الرقابة والبيروقراطية بهذا القدر من التعسّف".
وتساءل السينمائيون: "هل من المنطق أن تُنفق الدولة كلّ هذا المال لتنظيم المهرجانات، ثمّ تحظر عرض الأفلام التي موّلتها هي نفسها وشاركت في إنتاجها، كما هو حال فيلم "العربي" اليوم؟".
ومن بين الموقّعين على البيان: بوعلام زياني، وعديلة بن ديمراد، وإلياس سالم، وسيد أحمد سميان، ومليكة لعيشور، وأسامة الراعي، ونريمان ماري بن عمر، وأمال بليدي، وبشير درايس، ويانيس كوسيم، والهاشمي زرطال، وسمير الحكيم، وبلقاسم حجاج، ونبيل عسلي، وداميان أونوري، وحسن فرحاني، وبهية بن الشيخ لفقون، وكريم موساوي، ومالك بن سماعيل، وبراهيم دريس، وعباس زحماني.
مشهد
فاطمة أوصديق... مصادرة كِتاب
كانت الباحثة فاطمة أوصديق، مساء أمس، على موعد مع قرائها في "مكتبة الفنون الجميلة" لتقديم كتابها الجديد، لكنها لم مُنعت ذلك.